وقد أثار بعض الأفاضل ممن اعترض على دلالة ما ذكرناه من الأدلة؛ بأن غاية ما تدل عليه هذه الأدلة هو جواز التغرير بالنفس إن كان القاتل يدا أخرى غير المهاجم، وفي العمليات الاستشهادية يقتل المهاجم نفسه بيده - وإن كانت نيته صالحة - وهو فرق مهم ومؤثر، فمن قتل نفسه بيده ليس كمن قتله عدوه.
والرد على ذلك يتضح في المسألة التالية، وهي:
أنه لا فرق بين من يتسبب في قتل نفسه بنفسه أو أن يُقتَلَ بفعل غيره، ففي قصة أصحاب الأخدود قال الغلام للملك: (إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به) ، قال الملك: (وما هو؟) ، قال: (تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل؛ بسم الله رب الغلام ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني) ، ففعل الملك ما أمره به الغلام فقتله.
وأمر الإنسان غيره بقتل نفسه مثل قتل الإنسان نفسه ولا شك، والمتسبب بالقتل مثل القاتل وعليه القود عند جمهور العلماء [67] .
ويدل على مثل هذا أيضا ما ورد من إلقاء المؤمنين أنفسهم في النار باختيارهم إيثارا لحفظ دينهم على حفظ دنياهم، ولما كان فعلهم هذا في سبيل الله تعالى وحفظا لدينهم مدحهم الله تعالى في قرآن يتلى إلى يوم القيامة مع أنهم قد قتلوا أنفسهم بأيديهم، ولما تقاعست المرأة عن إلقاء نفسها في النار وهمت بالرجوع رحمة بصبيها أنطقه الله تعالى تثبيتا لها وآية على صواب فعلها رضي الله عنهم أجمعين.
ويدل على صحة ما ذكرنا أيضا من عدم الفرق بين من قتل نفسه بيده ومن قتله عدوه إن كان ذلك في الجهاد سبيل الله تعالى؛ ما جاء عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ... الحديث) ، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من هذا السائق؟) ، قالوا: عامر بن الأكوع - أخو سلمة - قال صلى الله عليه وسلم: (يرحمه الله) ، قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله لولا أمتعتنا به، فلما تصاف القوم كان سيف عامر قصيرًا فتناول به ساق يهودي ليضربه ورجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمات منه، فلما قفلوا قال سلمة: (رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم شاحبًا وهو آخذ بيدي، قال: ما لك؟ قلت له: فداك أبي وأمي زعموا أن عامرًا حبط عمله، قال صلى الله عليه وسلم: من قاله؟ قلت: قاله فلان وفلان وأسيد بن الحضير الأنصاري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذب من قاله، إن له لأجرين وجمع بين إصبعيه إنه لجاهد مجاهد) [68] .
ففي هذا الحديث دلالة واضحة لا تخطؤها عين فقيه بصير؛ على أن من قُتِل في سبيل الله فهو مجاهد وشهيد، سواء قُتِل بيد عدوه أو بيده، فها هنا قد ارتد سيف عامر بن الأكوع عليه فقتله، وأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من قال أنه قتل نفسه وأنه قد حبط عمله وكذب قائله، وبيَّن صلى الله عليه وسلم أنه له أجرين.
وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلًا منهم، فأخطأه وأصاب نفسه بالسيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخوكم يا معشر المسلمين) ، فابتدره الناس فوجدوه قد مات، فلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه، فقالوا يا رسول الله: أشهيد هو؟ قال: (نعم وأنا عليه شهيد) [69] .