فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم شهيدا مع أنه قتل نفسه بيده، وظن الصحابة رضي الله عنهم أنه ليس بشهيد، كما ظن المعترضون علينا، وليس بعد بيان النبي صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد؛ بيان، وبعد حكمه صلى الله عليه وسلم؛ حكم.
والمقصود من كل ما سبق بيان أنه لا فرق في كون الإنسان شهيدا أن يكون القتل بيده أو بيد غيره، إن كان قد بذل نفسه في سبيل الله تعالى وطلبا لمرضاته ونكاية في أعداء الإسلام والمسلمين، والله تعالى أعلم.
ومما يقوي ما ذكرناه من عدم الفرق ما ورد في تعريف العلماء للشهيد، حيث أنهم لم يفرقوا بين المقتولين بسبب اليد القاتلة.
فقد قال علماء الأحناف أن الشهيد: هو من قتله المشركون أو وجد مقتولًا في المعركة وبه أثر أية جراحة ظاهرة أو باطنة كخروج الدم من العين أو نحوها [70] .
وقال ابن حجر رحمه الله أن الشهيد: (من قتل في حرب الكفار مقبلًا غير مدبر مخلصًا) [71] .
وقال الخطيب الشربيني رحمه الله: (هو الذي يقتل في قتال الكفار مقبلًا غير مدبر لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، دون عرض من أعراض الدنيا) [72] .
بل إن بعض العلماء قد صرح أنه إذا قتل المجاهد نفسه بأن ارتد عليه سلاحه وهو في المعركة فهو شهيد مثل باقي الشهداء.
فقد قال منصور البهوتي رحمه الله: (هو الذي يموت في المعترك مع الكفار رجلًا كان أو امرأة، بالغًا أو غير بالغ، سواء قتله الكفار، أو عاد عليه سلاحه فقتله، أو سقط عن دابته، أو وجد ميتًا ولا أثر به، إذا كان مخلصًا) [73] .
وقال أحمد الدردير رحمه الله عن الشهيد أنه: (من قتل في قتال الحربيين، ولو قتل ببلد الإسلام بأن غزا الحربيون المسلمين، أو لم يقاتل بأن كان غافلًا أو نائمًا، أو قتله مسلم يظنه كافرًا، أو داسته الخيل، أو رجع عليه سيفه أو سهمه، أو سقط في بئر أو سقط من شاهق حال القتال) [74] .
وقد رجح ابن قدامة أن من قُتل بفعل نفسه في الجهاد فهو شهيد، وردَّ رحمه الله القول بالفرق بين من تسبب في قتل نفسه وبين من قتله العدو.
فقال: (فإن كان الشهيد عاد عليه سلاحه فقتله فهو كالمقتول بأيدي العدو، وقال القاضي: يغسل ويصلى عليه لأنه مات بغير أيدي المشركين أشبه ما لو أصابه ذلك في غير المعترك) .