قال ابن قدامة: (ولنا ما روى أبو داود عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أغرنا على حي من جهينة ... - وذكر الحديث - وعامر بن الأكوع بارز مرحبا يوم خيبر فذهب يسفل له فرجع سيفه على نفسه فكانت فيها نفسه، فلم يفرد عن الشهداء بحكم، ولأنه شهيد المعركة فأشبه ما لو قتله الكفار) [75] .
ومما تقدم من تعريف الشهيد وأقوال العلماء فيه؛ يتبين أن جمهور العلماء لم يجعلوا لليد الفاعلة للقتل دورًا في صحة الحكم بالشهادة.
وأما القول الآخر؛ فترده الأدلة التي ذكرناها سابقا، والله تعالى أعلم.
وبهذا يتبين أنه ليس شرطًا أن يقتل المجاهد بسلاح العدو حتى يقال عنه شهيد، إنما الشهيد من قُتِل في قتال شرعي لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، والمعتبر في هذا نية المقاتل، والشرع الحكيم يفرق في كثير من الأحكام بين الأعمال المتماثلة ظاهرًا بسبب القصد والنية، ومن الصور المتماثلة في الظاهر المختلفة في الحقيقة والحكم صور القتل في المعركة، فقد فرقت الشريعة بين قتيل وقتيل بسبب النية.
فقد روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟، وفي رواية أخرى: يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ و"الرجل يقاتل غضبا ويقاتل حمية"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) [76] .
فكل من هذه الأصناف المذكورة في الحديث كان يقاتل، فبينهما تماثل في الظاهر من حيث أن الجميع كان يقاتل، وفي الحقيقة بينهما مثل ما بين السماء والأرض من الفرق، فمن قاتل في سبيل الله ولتكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو شهيد، له كل ما للشهيد من جوائز ومنح وأحكام، وأما من قاتل حمية أو غضبا أو رياء وسمعة أو للمغنم فقط فقتل فليس من أحكام الشهيد في شيء.
ولذلك فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار) [77] .
فقد استحق هذا المقاتل النار لأنه ما قاتل إلا ليقال شجاع و جريء، وأما من قاتل في سبيل الله فهو من أهل الفردوس الأعلى في الجنان، فكلاهما في الظاهر قد قتلا في المعركة، وبينهما في الباطن والحقيقة ما بين المشرق والمغرب.