الصفحة 31 من 50

ومثل هذا ما ورد من حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الغزو غزوان، فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من غزا فخرا ورياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لم يرجع بالكفاف) [78] .

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا، وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا، على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله بتلك الحال) [79] .

وعلى هذا فقس.

والأحاديث السابقة تدل دلالة واضحة على أن الحكم الشرعي للشهيد لا يتغير ولا يعتبر باليد القاتلة للمجاهد ولا بأداة القتل إذا كان ذلك لوجه الله وبنية خالصة لإعلاء كلمة الله، وفيما قدمناه من الأدلة كفاية في بيان صحة ما قلناه.

وبالله تعالى التوفيق.

[67] روى البخاري رحمه الله في كتاب الديات عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قُتل غلام غيلة فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن سعيد بن وهب قال: خرج رجال في سفر فصحبهم رجل فقدموا وليس معهم، فاتهمهم أهله فقال شريح شهودكم أنهم قتلوا صاحبكم وإلا حلفوا بالله ما قتلوه، فأتوا بهم عليا وأنا عنده ففرق بينهم فاعترفوا فسمعت عليا يقول: أنا أبو الحسن القرم فأمر بهم فقتلوا، وروى أيضًا في مصنفه عن ابن جريج قال: سمعت سليمان بن موسى قال في القوم يدلون جميعًا في الرجل يقتلهم جميعا به، وروى أيضًا في مصنفه عن المغيرة بن شعبة أنه قتل سبعة برجل، والمسألأة فيها نزاع والراجح فيها أنه لو تمالأ قوم وتعاونوا واشتركوا فقتلوا رجلا قتلوا جميعا به، قال الصنعاني رحمه الله: ذهب مالك والنخعي وابن أبي ليلى أنهم يقتلون جميعًا إذا اشتركوا في قتله، وهذا ما ذهب إليه جماهير فقهاء الأمصار وهو مروي عن علي وغيره، ثم ذكر الأقوال الأخرى وقال: وقد قوي لنا قتل الجماعة بالواحد وحررنا دليله في حواشي ضوء النهار وفي ذيلنا على الأبحاث المسددة [راجع سبل السلام: 3/ 493] ، وقال القرطبي: وقد قتل عمر سبعة برجل بصنعاء وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا، وقتل علي رضي الله عنه الحرورية بعبد الله بن خباب فإنه توقف عن قتالهم حتى يحدثوا، فلما ذبحوا عبد الله بن خباب كما تذبح الشاة وأخبر علي بذلك قال الله أكبر نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب، فقالوا كلنا قتله ثلاث مرات فقال علي لأصحابه دونكم القوم، فما لبث أن قتلهم علي وأصحابه، خرج الحديثين الدارقطني في سننه، وفي الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة عن رسول الله قال: (لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار) ، قال الترمذي: حديث غريب، وأيضا فلو علم الجماعة أنهم إذا قتلوا الواحد لم يقتلوا لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم بالاشتراك في قتلهم، وبلغوا الأمل من التشفي ومراعاة هذه القاعدة أولى من مراعاة الألفاظ والله أعلم. (تفسير القرطبي ج2/ 251) ، وقال ابن تيمية رحمه الله قال عمر: لو تمالأ أهل صنعاء لقتلتهم به فإن كانوا كلهم مباشرين فلا نزاع، وإن كان بعضهم غير مباشر لكنه متسبب سببا يفضي إلي القتل فقد سلم له الجمهور على أن القود يجب على هؤلاء، كما قال علي في الرجلين اللذين شهدا على رجل أنه سرق فقطع يده، ثم رجعا وقالا: أخطأنا، قال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما، فدل على قطع الأيدي باليد وعلى وجوب القود على شاهد الزور [مجموع الفتاوى: 20/ 382، راجع البحر الرائق لابن نجيم: 8/ 354] ، وقال السمعاني رحمه الله: تردد بعض العلماء في إيجاب القصاص على المشتركين في القتل، وقال بعض أصحابنا: إن قتل الشركاء في القتل الواحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت