وقد اعتُرِضَ على مشروعية العمليات الاستشهادية أيضا؛ بأنه يقتل فيها من لا يجوز قتله من المسلمين أو نساء الكفار وأطفالهم والذين لا يجوز قتلهم، وهذا يمنع من القول بمشروعية مثل هذه العمليات.
والجواب أن يقال:
نعم، قد يختلط بالكفار الذين يقصدهم المجاهدون بالقتل من ليس منهم ممن لا يحل قتلهم من المسلمين أو أهل الذمة أو نسائهم وصبيانهم وأمثالهم ممن لا يجوز قتلهم، إما أصلا، وإما للنهي عن قتلهم لكونهم ليسوا من المقاتلين أو أنهم مال للمسلمين، فهل يُترك الجهاد الواجب أو المتعين والحالة هذه حذرا من الوقوع في الدم الممنوع؟ أم أن قتل هذه الأصناف - عرضا لا قصدا - إن لم يمكن غير ذلك يُغتفر أمام المصالح العليا المتحققة من جهاد الكفار وأعداء الله تعالى، هذا السؤال هو محل البحث.
فنقول وبالله التوفيق:
جاء عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة رضي الله عنهم قال: مر بي النبي صلى الله عليه وسلم بالأبواء وسُئِل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: (هم منهم) [80] .
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن نساء الكفار وذراريهم لا يقتلون قصدا للنهي عن ذلك، ولكن إذا لم يتوصل إلى قتل الآباء إلا بإصابة هؤلاء جاز ذلك تبعا لا قصدا.
وعندما أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك للصحابة لم يضع له ضوابط أخرى تفيد أنه لا يجوز إلا لضرورة مثلا، بل حاجة المسلمين في الإغارة على الكفار بالليل تجيز ذلك، رغم أنه صلى الله عليه وسلم في حروبه كان قبل الإغارة على القوم ينتظر حتى يطلع الفجر، فإذا سمع آذانا وإلا أغار [81] ، فعُلِمَ من ذلك أنه بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم الامتناع عن الإغارة بالليل لما فيها من قتل النساء والصبيان وجعل الهجوم بالنهار، إلا أن المصلحة الحاصلة للمجاهدين من التبييت تبيح ذلك.
ومما ورد في نفس المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حاصر أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق [82] ، ولا شك أن المنجنيق لا يميز في القتل، هذا مع نهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان.
فعن عروة بن الزبير قال: (فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأكمة ثم حصن الطائف، فحاصرهم بضع عشرة ليلة، وقاتلته ثقيف بالنبل والحجارة وهم في حصن الطائف، وكثرت القتلى في المسلمين وفي ثقيف، وقطع المسلمون شيئا من كروم ثقيف ليغيظوهم بذلك) ، قال عروة: (وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين حين حاصروا ثقيف أن يقطع كل رجل من المسلمين خمس نخلات أو حبلات من كرومهم، فقالت ثقيف: لا تفسدوا الأموال فإنها لنا أو لكم، واستأذنه المسلمون في مناهضة الحصن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أرى أن نفتحه وما أذن لنا فيه الآن) .