يقول الله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد} ، ومعنى يشري؛ أي يبيع، والمقصود من الآية؛ أن يبذلها في الجهاد في سبيل الله أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل ابتغاء مرضاة الله وطلبا لرضاه.
ومما ورد في سبب نزول هذه الآية؛ أن عمر بن الخطاب سمع إنسانا يقرأ هذه الآية فقال عمر: (إنا لله وإنا إليه راجعون، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقُتل) ، وهو تفسير ابن عباس لها.
وقيل: نزلت فيمن يقتحم القتال، حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية فقاتل حتى قتل، فقرأ أبو هريرة {ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله} ، ومثله عن أبى أيوب.
وقيل: نزلت في شهداء غزوة الرجيع.
وقيل: نزلت في علي حين تركه النبي على فراشه ليلة خرج إلى الغار.
والذي عليه أكثر العلماء أن الآية عامة تتناول كل مجاهد في سبيل الله أو مستشهد في ذاته أو مقتول في تغيير المنكر [13] ، ولا يسمى مثل هذا منتحرا البتة.
وقال القرطبي رحمه الله: (أصل الشراء بين الخلق والخالق؛ أن يعوضوا عما خرج من أيديهم بما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج منهم في النفع، فاشترى الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته وإهلاكها في مرضاته، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضًا عنها إذا فعلوا ذلك، وهو عوض عظيم لا يدانية المعوض ولا يقاس به، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء، فمن العبد تسليم النفس والمال ومن الله الثواب والنوال فسُمي هذا شراءً) [14] .
وقال تعالى: {قُتِل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} .
والأخدود؛ هو الشق المستطيل في الأرض.
وقد أورد أهل التفسير في هذه الآية ما ورد عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل، فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى