الصفحة 19 من 36

واصطلاحا:

صدق اعتماد القلب على اللّه- عزّ وجلّ- في استجلاب المصالح ودفع المضارّ من أمور الدّنيا والآخرة، وكلة الأمور كلّها إليه، وتحقيق الإيمان بأنّه لا يعطي ولا يمنع ولا يضرّ ولا ينفع سواه.

وقال الجرجاني: التّوكّل هو الثّقة بما عند اللّه واليأس عمّا في أيدي النّاس.

الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل:

قال ابن قيّم الجوزيّة: التّوكّل من أعظم الأسباب الّتي يحصل بها المطلوب، ويندفع بها المكروه. فمن أنكر الأسباب لم يستقم معه التّوكّل.

ولكن من تمام التّوكّل: عدم الرّكون إلى الأسباب.

وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه باللّه لا بها، وحال بدنه قيامه بها.

فالأسباب محلّ حكمة اللّه وأمره ونهيه.

والتّوكّل متعلّق بربوبيّته وقضائه وقدره، فلا تقوم عبوديّة الأسباب إلّا على ساق التّوكّل ولا يقوم ساق التّوكّل إلّا على قدم العبوديّة.

بين التوكل والاتّكال:

إنّ الأخذ بالأسباب مع تفويض أمر النّجاح للّه تعالى والثّقة بأنّه عزّ وجلّ لا يضيع أجر من أحسن عملا، هو من التّوكّل المأمور به، أمّا القعود عن الأسباب وعدم السّعي فليس من التّوكّل في شيء وإنّما هو اتّكال أو تواكل حذّرنا منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ونهى عن الأسباب المؤدّية إليه، مصداق ذلك ما جاء في حديث معاذ - رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا معاذ، تدري ما حقّ اللّه على العباد وما حقّ العباد على اللّه؟» قال (معاذ) : قلت: اللّه ورسوله أعلم. قال: «فإنّ حقّ اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحقّ العباد على اللّه عزّ وجلّ ألّا يعذّب من لا يشرك به شيئا» قال: قلت: يا رسول اللّه، أفلا أبشّر النّاس؟ قال: «لا تبشّرهم فيتّكلوا» «8» ، وهنا يضع الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم قاعدة جليلة، هي أنّ كلّ ما يؤدّي إلى ترك العمل أو ما يكون مظنّة للاتّكال أو التّواكل ليس من التّوكّل في شيء، وقد جاء في حديث أبي هريرة - رضي اللّه عنه- ما يؤكّد هذه الحقيقة، ففي الحوار الّذي رواه أبو هريرة عن المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم وعمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه- هذا الحوار- كما جاء في رواية مسلم: قال عمر: يا رسول اللّه، بأبي أنت وأمّي، أبعثت أبا هريرة بنعليك، من لقي يشهد ألّا إله إلّا اللّه مستيقنا بها قلبه، بشّره بالجنّة؟ قال: «نعم» ، قال (عمر) : فلا تفعل، فإنّي أخشى أن يتّكل النّاس عليها، فخلّهم يعملون». قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «فخلّهم يعملون» . ويفهم من الحديث والّذي قبله أنّ الاتّكال يعني ترك العمل وعدم الأخذ بالأسباب وأنّ ذلك ليس من التّوكّل في شيء.

بين التوكل والتفويض:

بين التّوكّل على اللّه وتفويض الأمر إليه علاقة العموم والخصوص إذ التّفويض أوسع من معنى التّوكّل، والتّوكّل أخصّ من التّفويض، قال صاحب المنازل: والتّفويض ألطف إشارة، وأوسع معنى من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت