التّوكّل، والتّوكّل يكون بعد وقوع السّبب، أمّا التّفويض فإنّه يكون قبل وقوع السّبب وبعده، والتّفويض هو عين الاستسلام، أمّا التّوكّل فهو شعبة منه.
وقال ابن القيّم: يعني بذلك من يفوّض أمره إلى اللّه يتبرّأ من الحول والقوّة، ويفوّض الأمر لصاحب الأمر من غير أن يقيم المفوّض إليه مقام نفسه في مصالحه، بخلاف التّوكّل، فإنّ الوكالة تقتضي أن يقوم الوكيل مقام الموكّل.
وقال- رحمه اللّه تعالى-: لو قال قائل: التّوكّل فوق التّفويض، وأجلّ منه وأرفع لكان مصيبا، ولهذا كان القرآن الكريم مملوءا به (أي بالتّوكّل) أمرا وإخبارا عن خاصّة اللّه وأوليائه، وصفوة المؤمنين، وأمر اللّه به رسوله في مواضع عديدة من كتابه، وسمّاه المتوكّل.
أمّا التّفويض فلم يجئ في القرآن الكريم إلّا فيما حكاه المولى عزّ وجلّ عن مؤمن آل فرعون، وذلك قوله عزّ وجلّ: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ (غافر/ 44) ، ثمّ خلص إلى القول: إنّ اتّخاذ المولى عزّ وجلّ وكيلا هو محض العبوديّة، وخالص التّوحيد، إذا قام به صاحبه حقيقة، وهو بذلك أوسع من التّفويض، وأعلى وأرفع.
بين التوكل والثقة باللّه- عزّ وجلّ-:
نقل ابن القيّم عن صاحب المنازل قوله: الثّقة:
سواد عين التّوكّل، ونقطة دائرة التّفويض. وذكر من أمثلة ذلك ما جاء في القرآن الكريم عن أمّ موسى فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي (القصص/ 7) قال: فإنّ فعلها هذا هو عين ثقتها باللّه تعالى، إذ لولا كمال ثقتها بربّها لما ألقت بولدها في تيّار الماء، قال ابن القيّم: والمراد أنّ الثّقة خلاصة التّوكّل ولبّه، كما أنّ سواد العين أشرف ما فيها، أمّا العلاقة بين الثّقة والتّفويض فتتلخّص في أنّ الثّقة هي الّتي يدور عليها التّفويض، قال: وكثير من النّاس يفسّر التّوكّل بالثّقة «1» . ومنهم من يفسّره بالتّفويض، ومنهم من يفسّره بالتّسليم ومقام التّوكّل يشمل ذلك كلّه».
قلت: وممّا يدلّ على صحّة ما قال ابن القيّم من شمول معنى التّوكّل لكلّ من التّفويض والثّقة ما ذكره الإمام الغزاليّ في تعريف التّوكّل حيث قال: التّوكّل مشتقّ من الوكالة، يقال: وكل أمره إلى فلان: أي فوّضه إليه واعتمد عليه فيه، ويسمّى المفوّض إليه: متّكلا عليه ومتوكّلا عليه متى اطمأنّت إليه نفسه ووثق به، ولم يتّهمه فيه بتقصير، ولم يعتقد فيه عجزا أو قصورا، وهو (التّوكّل) عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده
إنّ التّوكّل على اللّه عزّ وجلّ مطلوب في كلّ شئون الحياة، بيد أنّ هناك مواطن كثيرة ورد فيها الحضّ على التّوكّل والأمر به للمصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين، وقد ذكر الفيروز آباديّ من ذلك:
1 -إن طلبتم النّصر والفرج فتوكّلوا عليه: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (آل عمران/ 160) .