الصفحة 2 من 8

الحمد لله رب العالمين، رب السموات السبع ورب العرش العظيم، والصلاة والسلامً على أشرف الخلق وحبيب الحق، سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - عليه وعلى آله وصحبه الأجلاء، وبعد:

فإن السنةَ النبويةَ المشرفةَ مصدرٌ خصبٌ لحل كثيرٍ من المعضلاتِ الفكريةِ، والمشكلات الإنسانية، في مختلف ميادين الحياة الإنسانية، وبما يضمن السلامة في الفتوى، والبعد عن مضلات الهوى، وذلك في زمن تبارى فيه المفتون، وتقاتل فيه المَّدعُون، وندر من هم للحق ناصرون.

ومن النصرة للسنة النبوية إعمالُ دلالة نصوصها في واقع الأمة، ويتأتى ذلك بأمرين: أولهما: الفهم السديد لدلالة نص الحديث النبوي بما يتفق مع مقاصد الشرع الكلية , وثانيهما: تجديدُ دلالة النص بالمعنى المقبول شرعًا، بحيث لا يتم التخلص من القديم أو العمل على هدمه، بل الاحتفاظ به، وترميم ما بلي منه وإدخال التحسين عليه، مع الاحتفاظ بخصائصه الأصلية.

وعليه فإن الأمور الدنيوية من سياسة واقتصاد وإدارة وحرب ونحوها ممالم يرد بشأنه نصٌ محددٌ، وذلك فيما قالهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعلهُ بوصفه إمامًا أو رئيسًا للدولة المسلمة، بمعنى أن التصرف النبوي في هذه الأمور يكون مؤسسًا على رعاية مصلحة الأمة، خالصة كانت أو غالبة في زمنه - صلى الله عليه وسلم -. وقد تتغير هذه المصلحة بعد زمنه - صلى الله عليه وسلم - فالأمور المصلحية قابلة للتحول، وحينئذ يطلب من الخليفة الذي ينوب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إقامة الدين وسياسة الدنيا بالدين، أو من توافرت فيه شروط المجتهد: أن يراعي المصلحة الجديدة. ولا يكون بذلك مخالفًا للرسول - صلى الله عليه وسلم - بل هو في حقيقة الأمر متبع له في نهجه الذي سنه، وهو رعاية الإمام لمصلحة الأمة في زمنه.

ويتجلى ذلك بوضوح في موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قضية تأبير النخل- أي تلقيحه بإدخال شيء من طلع الذكر في طلع الأنثى فتعلق بإذن الله - فقد روى الإمام مسلم بإسناده من كتاب الفضائل، بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ ما قَالَهُ شَرْعًا، دُونَ ما ذَكَرَهُ - صلى الله عليه وسلم - من مَعَايِشِ الدُّنْيَا على سَبِيلِ الرَّأْيِ، عن عَائِشَةَ، وَعَنْ ثَابِتٍ عن أَنَسٍ- رضي الله عنهم- أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ، فقال:"لو لم تَفْعَلُوا لَصَلُحَ"قال: فَخَرَجَ شِيصًا، -أي بسرًا رديئًا- فَمَرَّ بِهِمْ فقال:"ما لِنَخْلِكُمْ"؟ قالوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قال:"أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ"وفي رواية أخرى عن رَافِعُ بن خَدِيجٍ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنما أنا بَشَرٌ إذا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ من دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وإذا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ من رَأْيٍ فَإِنَّمَا أنا بَشَرٌ"قال النووي في شرحه لصحيح مسلم:"قال العلماء: قوله - صلى الله عليه وسلم -"من رأيي"أي في أمر الدنيا ومعايشها لا على التشريع، فأما ما قاله - صلى الله عليه وسلم - باجتهاده ورآه شرعا فيجب العمل به، وتأبير النخل ليس من هذا النوع، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم -"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت