يقرر هذا الأصل التشريعي بعد تجربة عملية، ثبت فيها انفصالُ هذا النوع من المعرفة عن العقيدة، وهى تجربة"تأبير النخل"فليس بغريب أن يفصل الشرع بين هذا النوع من المعرفة وبين العقيدة، بل الغريبُ ألاَّ يأتي بهذا الفصل، وبهذه الصورة الواضحة.
وحتى يمكن الوصول إلى المعنى المراد إثباته من هذا البحث- وهو فهم ما أشكل من قضايا الاقتصاد الإسلامي في ضوء السنة النبوية- لابد من بيان مرجعيةِ قابلية قضايا الاقتصادِ الإسلاميِ للتجديد، ثم بيان ضوابط تجديد دلالة نص الحديث النبوي في إطار ما نحن بصدد بحثه:
مرجعيةِ قابلية الاقتصادِ الإسلاميِ للتجديد: من الثابت أن الاقتصاد الإسلامي اقتصادٌ مرنٌ، يجمع بين كثيرٍ من عناصر الثباتِ والتطورِ، وأنه اقتصاد إلهيُ الأصولِ بشريُ التطبيق، يستجيبُ لكل تطور ويواكب كل تقدم، ويساعد على ذلك عدد من العوامل أهمها:
أولًا-أن الإسلام دين جامع لصلاح الدنيا والآخرة، فلا يقتصر الأمر فيه على ما يصلح الآخرة وحدها، بل يدخل فيه ما يصلح الدنيا أيضًا، قال تعالى: ٌ {وَمَاّ أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا} سورة الإسراء: من الآية [85] ليفتح الباب إلى الارتقاء والتجديد على مصراعيه، ولا يجعل للغرور بالعلم سبيلًا إلى نفوسنا؛ لأنه هو الذي يقف دون الارتقاء والتجديد في العلم، ويؤدى إلى الجمود المذموم فيه.
ثانياُ: أن الجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، ويتجلى ذلك بوضوح في قول ابن القيم:"ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل ..."فالإسلام يدعو للجهاد مثلًا، ولكنه لا يحدد وسائل الجهاد، أهي السيف، أم المدفع، أم المنجنيق، أم الصاروخ، كل ما يهم الإسلام هو تحقيق المصلحة للإنسان، ودرء الضرر عنه، وتيسير الحياة عليه.
ثالثًا: أن قواعد المعاملات قواعد كلية: وبيانه أن القرآن الكريم بصدد المعاملات اقتصر على بيان القواعد الكلية، ولم يعرض فيها لتفصيلات وجزئيات - اللهم إلاّ في القليل النادر- ذلك لأن الأحكام الشرعية الخاصة بتلك الجزئيات تتغير بتغير ظروف البيئة والمكان وتتطور بتطور الزمان، فاقتصر القرآن فيها على المبادئ والقواعد العامة، التي تقتضيها العدالة ولا تختلف باختلاف البيئات، ولم يتعرض للتفصيلات؛ ليكون ولاة الأمر في كل عصر في سعة من أن يفصلوا قوانينهم فيها حسب مصالحهم، في حدود أسس القرآن الكريم، من غير اصطدام بحكم جزئي.