أما في أوقات الانكماش: فتقل كمية النقود المعروضة عن كمية السلع والخدمات، ومن ثم فإن المصلحة المعتبرة شرعًا تستوجب الأخذ بالقول القائل بإخراج القيمة عن العين؛ لأن الإخراج من قيمة العروض يحقق مصلحة الفقير، إذ قد يكون الفقير ليس في حاجة إلى عين السلعة، فيبيعها بثمن بخس.
(ب) قضية جواز تحصيل الفوائد الربوية المترتبة على إيداع المسلم أمواله في بنوك أجنبية: وتأتي هذه المسألة تخريجًا على رأي الإمام أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن، وابن الماجشون من المالكية، وغيرهم، وهو جواز أخذ الزيادة في دار الحرب من الحربي، إذا عامله مسلم بقرض أو بيع درهم بدرهمين عملًا بما رواه مكحول عن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - أنه قال:"لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب."وبمارواه أبو الحسن العسقلاني عن ابي جعفر بن محمد بن ركانة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد راهن ركانة وأخذ منه غنمه لما ربح الرهان، وركانة يومئذ كافر، مما يدل دلالة واضحة على جواز مثل هذا الفعل في الربا وغيره مع الكافر في دار الكفر؛ لأن مكة لم تكن يومئذ دار إسلام.
وإعمالًا لهذا الرأي ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى جواز أخذ الفوائد الربوية المتولدة من ودائع في مصارف غربية، وأن أخذها قد يكون واجبًا إذا تيقن المسلم أن تركها سيلحق الضرر بالمسلمين. وهذا الفهم مردود لأمور كثيرة منها:
1 -أن ما قاله الإمام أبو حنيفة إنما هو اجتهاد مرجوح؛ لقيامه على أدلة ضعيفة من جهة النقل، فحديث مكحول مرسل ضعيف، لا تقوم به حجة، ومن ثم لا يصح ترك ما ورد تحريمه في القرآن وتظاهرت به السنة في مقابلة خبر مرسل لم يرد في صحيح ولا مسند ولا كتاب موثوق به عند أهل الحديث.
2 -أن الاستدلال بمراهنة رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - ركانة على ثلث غنمه، استدلال بعيد؛ لأن الرواة ذكروا القصة دون أن يذكروا أن ركانة بذل ثلث غنمه لرسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - إذا صرعه بل المذكور أن الصراع تم بينهما من قبيل التحدي الخالي عن العوض.
ثم إن المحرم في المراهنة ما كان بذل البدل فيه من الطرفين، أما إذا كان من طرف واحد فهو جائز، والذي استدل به أبو حنيفة أن الذي عرض البدل هو {ركانة} ولم يقل له رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - إن صرعتني أعطيتك ما قيمته ثلث غنمك، فليس في القصة ما يدل على شيء من هذا.
وعليه فإن التعامل بالربا مع غير المسلمين لا يستثنى من الحكم العام للربا، وهو الحرمة، وأن الأخذ برأي الإمام أبي حنيفة اليوم يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال الإسلامية، وهجرتها إلى الغرب، وحرمان المسلمين من منفعتها ومنحها للغرب، مع أن منطق الشرع