رابعًا: اشتمال السنة النبوية على بعض التشريعات الوقتية: وأساس ذلك أن القرينة القاطعة إذا دلت على أن التشريع تشريع مراعى فيه حال البيئة الخاصة بزمن التشريع فهو تشريع زمني، يطبق في مثل بيئته، وإن لم تقم القرينة القاطعة على هذا فهو تشريع عام. ويستدل على هذا القول بالطريقة التي كان يأخذ بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في توزيع غنائم الحروب على جماعة المحاربين، والتي كانت تتبع في صدر الإسلام، والواقع أن ثمة اختلافًا كبيرًا في ظروف البيئة، وما يسود فيها من أنظمة بين ذلك العصر والعصر الحديث.
وبيانه: أن الجندي في الصدر الأول من الإسلام كان - في أغلب الأمر- ينتسب بنفسه للجندية، ثم يخرج لها بسلاحه وفرسه، وينفق فيها على نفسه، وما كان يُلزم من لم يخرج للجهاد بشيء من هذه النفقات، فكان من العدل أن يكون لكل من المجاهدين نصيب فيما يحرزون من غنائم.
أما الآن فقد أصبح للجيوش نظام خاص، وقانون يسرى على جميع وحداتها، و صارت نفقات الجنود ومعداتهم مكفولة في مال الأمة، يستوي في ذلك الغنى منهم والفقير، وأصبحت ميزانية بعض الجيوش الإسلامية تقدر بالمليارات، وبما يعادل ثلث الإنفاق العام لهذه الدول - ومع ذلك فإن المسجد الأقصى الحزين مازال يئن من قبضة اليهود الغاصبين، ولا مجيب الإَّ ثلةٌ من المؤمنين المرابطين في ساحة الجهاد!!!
أما ما يتعلق بضوابط تجديد دلالة نص الحديث النبوي الوارد في شأن بعض القضايا الاقتصادية: فهي كثيرة، أهمها:
أولًا: مراعاة المجتهد ما تقضي به الضرورة والحاجة: وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:"إن كل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية - وهي ترك واجب أو فعل محرم - لم يحرم عليهم؛ لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولاعاد".
ومن أهم العقود التي وجدت مجالًا خصبًا لتجديد صورها وأشكالها بين الحين والآخر، حتى إنها أصبحت موردًا أساسيًا لعمل البنوك الإسلامية عقد السلم. فهو عقد على معدوم، والأصل فيه أنه داخل في عموم نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المعدوم، إلاَّ أن الشرع الحكيم أجازه تحقيقًا لرغبة المتعاقدين، واستثناءً من قاعدة عدم جواز بيع المعدوم استحسانًا؛ لما فيه من مصلحة اقتصادية حاجية كانت أو ضرورية. ومجالات تطبيقه في ضوء الفهم السديد تتسع لتشمل الكثير من أدوات التمويل الإسلامية وبخاصة:
سندات السلم: وبخاصة في مجال البترول، فمثلًا تقوم الحكومة في تاريخ محدد بطرح مليون برميل للبيع سلمًا للجمهور، تسلم في تاريخ محدد، وتصدر لهذا الغرض صكوكًا نمطية، يتضمن كل واحد منها برميلًا واحدًا من البترول، أو خمسة، أو عشرة. ويمكن لها