الصفحة 24 من 48

الواحد وجزئياته من وقائع وتصرفات مكلفين ببعضها الآخر، فَيَخَالُها موحدة المناط، بيد أنها عند التحقيق تفرقُ، وقد يسري عليها الاستثناء لظروف وملابسات طارئة، فيخرجها من المساق الكلي للحكم؛ إذ ليس من المعقول ولا المشروع استصحاب حكم واقعة حصلت على وقائع أخرى مفارقة لها في ملابساتها وإن تشابهت أو تماثلت في صورتها وشكلها، لكون تلك الظروف ذات أثر بالغ في تكييف الحكم الشرعي المراد إحكام الواقع به) اهـ.

وعلى هذا فالأسير المرتد الذي يراد أن يفادى به الأسير المجاهد لا يدخل في هذه الحال تحت عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من بدل دينه فاقتلوه ) )لأن إدراجه تحت عموم النص تترتب عليه مفسدة (فتنة المجاهد في دينه) والتي هي أعظم من مصلحة إقامة هذا الحد، ولهذا يستثنى من هذا العموم، ويدرج تحت أدلة شرعية أخرى مثل قاعدة سد الذرائع أو اعتبار المآل ..

ولهذا كان من منهج أئمتنا رحمهم الله ـ واستقراء من الشريعة السمحة ـ أن النص الشرعي إذا أدى تطبيقه إلى مشقة زائدة على المعتاد في مثله، أو إلى مفسدة تربوا على مصلحة تطبيقه، فإنهم يستثنون تلك المسألة من النص الشرعي العام أو القاعد الكلية ويدرجونها تحت حكم آخر أو قاعدة أخرى، وهذا نظرا منهم إلى أن مناط الواقعة قد تغير، فأضحى غير صالح ليكون مناطا للحكم في هذه الحال.

وفي بيان هذه القاعدة يقول العز بن عبد السلام رحمه الله:.

(اعلم أن الله شرع لعباده السعي في تحصيل مصالح عاجلة وآجلة تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في ملابسته مشقة شديدة أو مفسدة تربى على تلك المصالح، وكذلك شرع لهم السعي في درء مفاسد في الدارين أو في أحدهما تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في اجتنابه مشقة شديدة أو مصلحة تربى على تلك المفاسد، وكل ذلك رحمة بعباده ونظر لهم ورفق، ويعبر عن ذلك كله بما خالف القياس، وذلك جار في العبادات والمعاوضات وسائر التصدقات .. ) [1] اهـ.

وقد رأينا الأئمة رحمهم الله تعالى كيف أخرجوا بعض أفراد العام للعلة التي ذكرناها وأدرجوها تحت أدلة شرعية أخرى مثل قاعدة سد الذرائع أو اعتبار المآل .. والتي دلت

(1) (ـ قواعد الأحكام في مصالح الأنام(2/ 161)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت