بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد ..
النص الشرعي بين التجريد والتنزيل
إن المتأمل فيما يصدر من أبحاث وفتاوى سواء ما تعلق منها بالجانب (الفقهي) أو الجانب العقدي (مسائل الكفر والإيمان) ليرى أن الكثير منها بالرغم من منطلقاتها السليمة أي اعتمادها على أدلة شرعية صحيحة إلا أنها تخرج بنتائج (خاطئة) ، والسبب في هذا هو اعتماد المتكلمين في ذلك على النصوص الشرعية أو القواعد الشرعية العامة، مغفلين للعوارض والملابسات التي قد تعتري المسألة محل البحث مما يجعل مناط النص الشرعي والقاعدة العامة لا ينطبق عليها وبالتالي لا تأخذ حكمه.
وهذا ناجم -كما سنرى إن شاء الله- من عدم التفريق بين (الدليل أو النص) حال التجريد، وبين (الدليل أو النص) حال (التطبيق أو التنزيل) .
ونعني بالتجريد (أن الحكم التكليفي ... يكون مسوقًا إلى الوقائع في أجناسها، فهو غير محدد بزمان أو مكان أو شخص معين، بل يشمل عموم المحكوم فيه والمحكوم عليه على سبيل الاستغراق، وأما تجريده فلوقوعه في الذهن متعقّلًا من مآخذه الشرعية دون تعلق بالوقائع الجزئية) [1] .
ونعني (بالتطبيق أو التنزيل) أو كما يسميه أهل العلم بالأصول (تحقيق المناط) -كما سيأتي- هذا (التحقيق متجه إلى أفراد النوع الذي حقق كونه مناطًا للحكم، فقد يرد على ذهن المجتهد المحقق اشتباه بعض أفراد النوع الواحد وجزئياته من وقائع وتصرفات مكلفين ببعضها الآخر، فَيَخَالُها موحدة المناط، بيد أنها عند التحقيق تفرقُ، وقد يسري عليها الاستثناء لظروف وملابسات طارئة، فيخرجها من المساق الكلي للحكم؛ إذ ليس من المعقول ولا المشروع استصحاب حكم واقعة حصلت على وقائع أخرى مفارقة لها في ملابساتها وإن تشابهت أو تماثلت في صورتها وشكلها، لكون تلك الظروف ذات أثر بالغ في تكييف الحكم الشرعي المراد إحكام الواقع به) [2] .
(1) (ـ الاجتهاد التنزيلي للدكتور بشير بن مولود جحيش بحذف يسير -ص 29 -
(2) (ـ المصدر السابق ص: 33