ولزيادة بيان وتجلية هذه المسألة لما لها من أهمية بالغة في تقرير وبحث المسائل الشرعية إذ هي العاصم إن شاء الله من الوقوع في الخلط والتخبط، والقول على الله بغير علم.
أقول: إن (الفقه الحق لا بد أن يكون واقعيًّا، يعرف الواقع ولا يجهله، يلتفت إليه ولا يلتفت عنه، يُعمله ولا يهمله، يبني عليه ولا يبني في فراغ) [1] .
ولكي يكون الفقه واقعيا فإنه لا يكتفى فيه أن ينظر الفقيه إلى الأدلة العامة والقواعد الكلية ثم يبدأ في استصدار الأحكام، فإن الفقيه يكون في هذه الحال إنما يتكلم في الواقع الذي ارتسم في عقله، وليس في الواقع الخارجي الذي يريد أن يبين حكمه.
فالأدلة العامة والقواعد الكلية إنما هي أدلة تجريدية أي أنها توجد في الأذهان وليس في الأعيان، فإذا ما اعتمد عليها الفقيه دون دراية ومعرفة بالواقع الذي يريد إنزال تلك الأدلة عليه وما قد يعتريه من ظروف وملابسات، فإنه حتما سيَضِل ويُضِل، وإن الناظر في انحراف المنحرفين إنما كان سببه هو الاعتماد على القواعد الكلية والأدلة العامة -كما سبق- والغفلة عن الواقع أو كما يسميه أهل العلم (بتحقيق المناط) ، (ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله) [2] اهـ
فأنت ترى أن معرفة الدليل الشرعي وحده لا يكفي، بل لا بد من معرفة الجزئيات التي يمكن أن تندرج تحت الدليل، من التي لا تندرج تحته وإن كانت في الظاهر وبادي الرأي مما يشملها الدليل العام، والذي أخرجها هو ما يمكن أن يعتريها من عوارض، كما إذا قلنا بأن الزواج مباح، فهذا الأصل العام والقاعدة الكلية، وهذا الحكم موجود في ذهن الفقيه عاما مجردا، فإذا أراد تنزيله على الواقع على شخص ما جاء ليستفتيه فلا يبادر ويقول بأن الزواج في حقك مباح بناء على القاعدة الكلية والأصل العام، فقد يعتري هذا السائل من العوارض ما يجعل الزواج في حقه (واجبا) ، كما إذا كان يخشى على نفسه لو لم يتزوج العنت (الزنا) ، فهذا العارض قد أخرج هذا الشخص من الأصل العام (الإباحة) ، وأدخله تحت أصل آخر أو أصول أخر مثل (سد الذرائع، أو اعتبار المآل، أو الاستحسان ... ) ونحوها، فلو أفتاه بالأصل (الإباحة) من غير اعتبار العوارض (خشية الوقوع في العنت) يكون قد ضل وأضل.
(1) (ـ من كلام للريسوني في مقال أثر الواقع في تقرير الأحكام وتنزيلها
(2) (ـ الموافقات(5/ 12)