الصفحة 5 من 48

وأزيد هذه المسألة توضيحا بضرب مثال عكس المثال الأول: فلو أن الفقيه علم من حال المستفتي عن الزواج بأنه ظلوم غشوم سيء العشرة فلا يجوز له أن يفتيه بالأصل (الإباحة) لأنه يؤدي إلى الإضرار بالزوجة بل يستثنيه من الأصل (الإباحة) لأجل العارض (الظلم) ويفتيه (بالحرمة) لرفع الضرر.

ومثله ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه جاء إليه رجل مستفتيا (فقال ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة؟ قال: لا، إلا النار، قال(الراوي سعد بن عبيدة) : فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة، قال: إني لأحسبه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا. قال: فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك) [1] .

فهذا حبر الأمة قد أخرج هذا المستفتي من الأصل العام وهو (أن لمن قتل مؤمنا متعمدا توبة) نظرا لما اعترى هذا المستفتي من ملابسات (الغضب) وأدخله تحت أصل آخر وهو سد الذرائع أو اعتبار المآل، ولو أنه طرد هذا الأصل ولم يراع الحال التي صحبت الواقعة لجاءت الفتوى مصادمة للشرع هادمة لما علم تحريمه من الدين ضرورة.

ومن الأمثلة على ذلك قول أئمتنا العلماء رحمهم الله تعالى: (من قال كذا أو فعل كذا كفر) فيظن من لا علم عنده أن هذه المقولة يدخل تحتها كل من قال أو فعل ذلك المكفر وينسي أن هذه المقولة إنما هي عامة مطلقة عن الزمان والمكان والأشخاص أي لا تتناول الأعيان -كما مر- ولهذا يبادر إلى إطلاق الحكم (الكفر) ، في حين أن مرتكب العمل المكفر قد يكون قد اعتراه من العوارض (الموانع) ما يخرجه عن الاندراج تحت القاعدة، فقد تكون عنده شبهة يعذر بها، أو جهل معتبر، أو تأويل مستساغ، أو خطأ مغفور ناجم عن اجتهاد من أهله، أو عدم القصد ... ، وبالتالي يكون المتسرع قد كفر من لم يكفره الله ورسوله، وهذا -للأسف- ما يقع فيه المتسرعون بفعل الحماسة والغيرة غير المضبوطتين بضابط الشرع، ولا سيما مع العاملين في مجال الدعوة سواء أفراد (علماء والدعاة) أو جماعات مع أنهم أولى بالإعذار وتوسيع مساحة التأويل من غيرهم.

ولهذا كان من القواعد الجليلة التي قررها أئمتنا والتي قيدت إطلاق القاعدة الأولى قولهم: (إن التكفير المطلق لا يستلزم دائما تكفير المعين) ، وهذا للعلة التي ذكرناها.

والغفلة عن هذا الأصل العظيم هو الذي سبب ويسبب الكوارث في الواقع الدعوي والجهادي على السواء، فتجد الشخص يعتقد أنه بمعرفة دليل عام أو قاعدة كلية فهذا

(1) (ـ تفسير القرطبي(5/ 333)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت