إن الأحكام الشرعية ليست مرادة لألفاظها وصورها وإنما المراد منها هو معانيها ومقاصدها فالألفاظ قوالب المعاني ولقد كان هذا الأصل العظيم حاضرا دوما في أذهان أئمتنا رحمهم الله من لدن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم إلى أئمة الفقه المشهورين إلى أتباعهم أثناء تقريرهم المسائل وهذا لاعتقادهم الجازم أن الله سبحانه ما شرع حكما من الأحكام إلا لتحقيق مصلحة أو درء مفسدة علمه من علمه وجهله من جهله، وهذا من لوازم اسمه سبحانه (الحكيم) الذي كما أنه لا يخلق شيئا عبثا، فإنه كذلك لا يشرع شيئا عبثا، ومن ظن خلاف ذلك فقد ظن بالله ظن السوء، ولهذا ترى الأئمة رحمهم الله يبحثون ويتلمسون تلك الغايات والمصالح ليجعلوها قبلتهم يدورون معها أنى دارت، وينوطون الأحكام بعللها المنضبطة المفضية إلى تلك (المصالح) أنى وجدت [1] .
قال ابن القيم رحمه الله: (مثل من وقف مع الظواهر والألفاظ ولم يراع المقاصد والمعاني إلا كمثل رجل قيل له: لا تسلم على صاحب بدعة، فقبل يده ورجله ولم يسلم عليه، أو قيل له: اذهب فاملأ هذه الجرة، فذهب فملأها ثم تركها على الحوض وقال: لم تقل ايتني بها، وكمن قال لوكيله: بع هذه السلعة، فباعها بدرهم وهي تساوي مائة، ويلزم من وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع ويلزم به الموكل، وإن نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألقاها في غير موضع. وكمن أعطاه رجل ثوبا فقال: والله لا ألبسه لما له فيه من المنة، فباعه وأعطاه ثمنه فقبله .. ) [2] .
ويتكلم رحمه الله مرة أخرى بلسان أهل المقامات (التصوف) في بيان مزية وثمرة الاعتناء بروح الألفاظ ومقاصدها فيقول في شرح كلام صاحب المنازل (منازل السائرين) شارحا لقوله في منزلة (القصد) .
(1) (ـ هذا في الأحكام معقولة المعنى أي أن العقل السليم يدرك عللها التي جعلها الشارع مناطا لأحكامها يوجد الحكم حيث وجدت، وينعدم حيث انعدمت، بخلاف الأحكام غير معقولة المعنى أو الأحكام التعبدية المحضة التي لا يهتدي العقل إلى عللها فهذه تتبع صورها ويوقف عند ما حده الشارع منها، فهي على هذا ليست داخلة في كلامنا، مع التنبيه على أن العبادات المحضة شرعت أيضا لمصالح لكن العقل عاجز عن إدراك تفاصيل تلك المصالح، فعجز العقل عن إدراكها لا يعني انعدامها.
(2) (ـ إعلام الموقعين عن رب العالمين(3/ 94)