قال: الدرجة الثالثة (أي من درجات القصد) : (قصد الاستسلام لتهذيب العلم، وقصد إجابة داعي الحكم، وقصد اقتحام بحر الفناء) .
قال ابن القيم رحمه الله: (يريد أنه ينقاد إلى العلم ليتهذب به ويصلح، ويقصد إجابة داعي الحكم الديني الأمري كلما دعاه، فإن للحكم في كل مسألة من مسائل العلم مناديا ينادي للإيمان بها علما وعملا، فيقصد إجابة داعيها، ولكن مراده بداعي الحكم: الأسرار والحكم الداعية إلى شرع الحكم، فإجابتها قدر زائد على مجرد الامتثال، فإنها تدعو إلى المحبة والإجلال، والمعرفة والحمد، فالأمر يدعو إلى الامتثال، وما تضمنه من الحكم، والغايات تدعو إلى المعرفة والمحبة) [1] اهـ.
قلت: ولما كانت الأحكام الشرعية المراد منها هو مراميها ومقاصدها نجد في كثير من الأحيان كثير من الأئمة المشهود لهم بالعلم والورع ما يصرفون النصوص عن ظاهرها، أو يخصصون النصوص العامة، أو يستثنون بعض الصور والأفراد من القاعد الكلية نظرا لظروف وملابسات أو لقرائن شرعية احتفت بالنازلة، غايتهم من ذلك تحقيق مقصود الشارع من تلك النصوص من جلب مصلحة أو درء مفسدة فيظن من لا علم عنده أنهم خالفوا تلك النصوص ويعلم العالم بالشرع أنهم أعملوها وما أهملوها وأنهم قصدوا بها ما قصده الشارع منها ـ كما سيأتي في كلامهم ـ.
فهم ينظرون إلى الأدلة الشرعية كلها (الأدلة الجزئية والقواعد الكلية) على أنها وحدة متكاملة وليست منفصلة فلا يقطعون الأدلة الجزئية عن كلياتها، كما أنهم لا يعملون الأدلة الكلية مقتطعة عن جزئياتها، بل يزاوجون بينهما ويصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويفهمون الأدلة الجزئية في إطار القواعد الكلية، وهذا حتى يخرجوا بأحكام شرعية صحيحة، عكس الذين يقطعون ما أمر به أن يوصل حيث يعملون الأدلة الجزئية ويعرضون عن كلياتها، أو كأصحاب التحلل والزندقة في هذا الزمان الذين يعملون الأدلة الكلية غير آبهين بالأدلة الجزئية، يتخذون من المصلحة ومواكبة الشريعة لتطور الزمان ـ وهي كلمة حق أريد بها باطل ـ جنة وستارا بغية تمييع الشريعة، والخروج بشريعة أخرى لا تحمل من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم إلا الاسم، شريعة يرضى عنها الغرب الصليبي، لأنها لمصلحته مؤصلة، وللوقوع في حبائله موصلة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان أن المزاوجة والجمع بين الأصول الكلية والفروع الجزئية هو الطريق اللاحب الموصل إلى العلم الصحيح، والعدل المنشود.
(1) (ـ مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين(1/ 151)