الصفحة 23 من 48

لأن تغيير النص معناه (نسخه) والنسخ لا يثبت إلا بالوحي، والوحي انقطع بموت النبي صلى الله عليه وسلم.

وما قيل في النص الشرعي يقال في المصلحة المقصودة منه بأنها ثابتة لم تتغير بخلاف ما ذهب إليه بعض الكاتبين [1] ، وكل الذي حدث كما في النصوص السابقة هو أنها لما اعترتها تلك الظروف والملابسات (تفويت مصلحة أكبر، أو جلب مفسدة كذلك) خرجت عن كونها مناطا لتلك النصوص إلى اندراجها تحت نصوص أو قواعد شرعية أخرى تتحقق بموجب ذلك الإدراج المصلحة الشرعية المقصودة للشارع منها.

مثال ذلك: قول النبي صلى الله علية وسلم: (( من بدل دينه فاقتلوه ) ).

فهذا نص شرعي ثابت باق ما بقيت الدنيا لا يملك أحد تغييره ـ كما أسلفنا ـ.

كما أن هذا النص إنما جاء ليطبق حيث ينجم عن تطبيقه مصلحة خالصة أو راجحة، وهذه مصلحة لا تتبدل ولا تتغير، فحيث أفضى النص إلى مصلحته الشرعية المرجوة منه وجب تطبيقه ولا يحل تعطيله أو تبديله.

وأما إذا تولد من تطبيقه مفسدة تربوا على مصلحة إقامته ـ كما أسلفنا في مسألة الأسير المرتد ـ فلا نقول بأن المصلحة المتوخاة من تطبيق النص قد تغيرت لأن المصلحة المقصودة منه هي أن تكون (مصلحة خالصة أو راجحة) ، أما هنا فإن المفسدة أكبر من المصلحة، وإنما الذي حدث هو أن الظروف والملابسات التي طرأت على الواقعة قد أخرجتها عن أن تكون مناطا لحديث (( من بدل دينه فاقتلوه ) )، وأدرجتها تحت أدلة شرعية أخرى تتلافى بها تلك المفسدة وتتحقق بها المصلحة المقصودة للشارع.

وهنا يقع الزلل ويحصل الخلل عند من يندفع إلى إدراج كل ما يظهر له بادي الرأي أنه يدخل تحت عموم نص أو قاعدة شرعية بناء على وحدة المناط (ظاهرا) دون النظر فيما يكون قد اعترى المسألة محل البحث من عوارض ما يجعل مناطها مغايرا تماما لمناط الحكم الشرعي الذي يريد إدراجها فيه، فيكون بذلك قد أدرج مناطين متغايرين تحت نص واحد وأعطاهما حكمه .. وهنا مكمن الشر وسبب وقوع المفاسد والإعنات في الواقع الدعوي والجهادي، وقد تقدم معنا في بداية هذه الأوراق ما نقلناه عن بعض أهل العلم في التنبيه على هذه المسألة في قوله: ( .. فقد يرد على ذهن المجتهد المحقق اشتباه بعض أفراد النوع

(1) (ـ ينظر: نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي حسين حامد حسان(ص 36) وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت