الصفحة 25 من 72

فالصدق منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميّز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلاّ قطعه، ولا واجه باطلا إّلا أراده وصرعه، من صال به لم ترد صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال، ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدّين، وعمود فسطاط اليقين، ودرجة تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين [1] .

ولمّا كان الأمر كذلك فإن حمل الصدق كحمل الجبال الرواسي لا يطيقه إلاّ أصحاب العزائم يتقلبون تحته تقلب الحامل بحمله الثقيل، والريّاء و الكذب خفيف كريشة لا يجد له صاحبه ثقلا ألبتة، فهو حامل له في أيّ موضع اتّفق بلا تعب ولا مشقة ولا كلفة.

كان حمل الصدق ثقيل، وحمل الكذب خفيف لقلة الأعوان على الخير وفساد من الناس وكدر من الدنيا، فانقلبت بذلك الموازين، جاء من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم:"بين يدي السّاعة سنون خدّاعة، يتهم فيها الأمين، ويؤتمن فيها المتهم، وينطق فيها الرويبضة"، قالوا وما الرويبضة ؟ . قال:"السفيه ينطق في أمر العّامة" [2] و في رواية:"إنّ أمام الدجّال سنين خدّاعة يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخوّن فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن" [3] .

والله المستعان

وكتبه

أبو حفص الجزائري

رمضان 1419هـ - يناير 1999 م

ولا تنسونا من صالح دعائكم

إخوانكم في

شبكة التحدي الإسلامية

(1) (مدارج السالكين( 2/268.

(2) مسند الإمام أحمد.

(3) أخرجه أحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت