فبطر الحق: ردّ الحق وجحده، وغمص النّاس: إحتقارهم.
-أمّا عن غمص النّاس: وهو أن يجد الإنسان في نفسه جرّاء إعجابه بها أنّه أكبر من غيره، إذ الحامل عليه هو إعتقاد الإنسان كمال تميُّزه على الغير بعلم أو عمل أو نسب، أو مال، أو جمال، أو جاه، أو قوّة، أو كثرة أتباع. [1]
نعم قد يتكبر الإنسان لإغتراره بماله وجاهه، وممّا يخفى على الكثير أنّ البعض تكبّر بعلمه، والكبر بالعلم هو من أعظم الآفات وأغلب الأدواء، وأبعدها عن قبول العلاج إلاّ بشدّة شديدة وجهد جهيد.
وسبب الكبر بالعلم: إمّا لإشتغاله بعلم ليس بعلم حقيقيّا،"وإنما العلم الحقيقيّ ما يعرف به العبد ربّه ونفسه وهذا يورّث الخشية والتواضع دون الكبر، قال تعالى:"إنّما يخشى الله من عباده العلماء"."
وإمّا أن يخوض في العلم وهو خبيث الباطن رديء النفس سيء الأخلاق، فإنّه لم يشتغل أوّلا بتهذيب نفسه وتزكية قلبه - فبقي خبيث الجوهر، فإذا خاض في العلم أيّ علم كان - صادف العلم من قلبه منزلا خبيثا فلم يطب ثمره، ولم يظهر في الخير أثره، وقد ضرب وهب لهذا مثلا فقال: العلم كالغيث ينزل من السماء حلوا صافيا فتشربه الأشجار بعروقها فتحوّله على قدر طعومها فيزداد المرّ مرارة، والحلو حلاوة، وكذلك العلم تحفظه الرجال فتحوّله على قدر هممها وأهوائها فيزيد المتكبّر تكبرا والمتواضع تواضعا وهذا لأنّ من كانت همّته الكبر وهو جاهل، فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبّر به، فإزداد كبرا، وإذا كان الرجل خائفا مع جهله فإزداد علما على أنّ الحجّة قد تأكدت عليه فزداد خوفا وإشفاقا وذلاّ وتواضعا، فالعلم من أعظم ما يتكبر به ولذلك قال تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم:
"واخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين"، وقال:"لو كنت فظا غليظ القلب لانفضّوا من حولك"ووصف أولياءه فقال:"أذلّة علة المؤمنين أعزّة على الكافرين"" [2] "
وفي قوله تعالى:"أذلّة على المؤمنين"هو ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات، ولهذا عُدّيت بأداة"على"فإنّه لم يرد به ذلّ هوان الذي صاحبه ذليل، وإنّما هو ذلّ اللّين
(1) - أنظر كتاب إحياء علوم الدّين للإمام أبي حامد الغزالي (3/ 321)
(2) - من كتاب الإحياء (3/ 325) بتصرّف