الصفحة 32 من 72

والإنقياد الذي صاحبه ذلول، فالمؤمن ذلول، وقوله"أعزة على الكافرين"هو من عزّة القوّة و المنعة والغلبة" [1] "

وهذا عكس من قيل فيهم، كبرا علينا وجبنا عن عدّوكم

لبئست الخلّتان: الكبر و الجبن

وعلى هذا بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنّ الكبر صفة تحول بين المرء ودخوله الجنّة فقال عليه الصلاة و السلام: لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر"رواه مسلم."

وإنّما صار الكبر حجابا دون الجنّة لأنّه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين، لأنّ صاحبه لا يقدر على التواضع، فلا يقدر أن يحبّ للمؤمنين ما يحبّه لنفسه، ولا على ترك الحقد و الحسد والغضب، ولا على كظم الغيظ وقبول النّصح، ولا يسلم من الإزدراء بالنّاس وإغتيابهم، فما من خلق ذميم إلاّ وهو مضطر إليه.

والتكبّر على الخلق يدعو إلى التكبر على الخالق، ألا ترى أنّ إبليس لمّا تكبّر على آدم وحسده بقوله:"أنا خير منه" [2] جرّه ذلك إلى التكبّر على الله لمخالفة أمره فهلك هلاكا مؤبدا، قال تعالى:"إلاّ إبليس أبى وإستكبر وكان من الكافرين"

قال سفيان بن عيينة: من كانت معصيته في شهوة فأرج له التوبة، فإنّ آدم عليه السلام عصى مشتهيا فغفر له، فإذا كانت معصيته من كبر فاحش عليه اللّعنة، فإنّ إبليس عصى مستكبرا فلعن.

ولهذا جاء في القرآن والسنّة ذمّ المتكبرين، فأخبر الله تعالى أنّه طبع على قلوبهم، فقال كما في سورة غافر"كذلك يطبع الله على كلّ قلب متكبّر جبّار"هذا في الدنيا، أمّا في الآخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى:

"الكبرياء ودائي، والعظمة إزاري فمن نازعني واحد منهما ألقيته في جهنم"رواه مسلم.

(1) - مدارج السالكين للإمام إبن القيّم (2/ 327)

(2) - سورة ص (الآية: 76)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت