الآية الثالثة والأخيرة:
من سورة فاطر قال ربي سبحانه وتعالى وهو يتكلم على قريش في الكفر: [وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ] قريش كانوا يقولون لو جئتنا بنذير - أي رسول - سنكون أفضل من إحدى الأمم؛ سنكون أفضل من اليهود وسنكون أفضل من النصارى قالوا هذا من باب الكِبَر لا من باب الصدق ولهذا ما أفلحوا، من باب التفاخر؛ كانوا يتفاخرون على أنهم سوف يتبعون الحق إذا جاءهم ما قالوها صدقًا: [وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ] أي بالأيّمان المُغلَّظَّة [لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا] ، أحيانًا بعض الناس لا يزيدهم الحق إلا ضلالًا لأن في قلوبهم غلٌ وحقدٌ والسواد وهذا زيادةً في الكفر، كما أن الإيمان يزيد وينقص كذلك الكفر، هذه الآية دليلٌ على أن الكفر يزيد، وكذلك آية في سورة التوبة: [إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ] النسيء؛ كان كفار قريش يتحايلون في الأشهر الحُرُم، كانوا يتلاعبون بأشهر الحُرُم، كان عند العرب في الأشهر الحُرُم يُمنع فيها القتال وتعرفون أن الأشهر الحُرُم كانت ثلاثة أشهر متتابعة فهذا كان يشق عليهم، ثلاث أشهر لا يقاتلون ولا يقطعون الطريق وكانت معيشتهم واقتصادهم قائم على قطع الطريق، فكان يشق عليهم ثلاثة أشهر متتابعات اقتصادهم عاطل فكانوا يتحايلون فكانوا يؤخرون شهرًا ويقدمون شهرًا، يتلاعبون، فهذا التلاعب بالأشهر الحُرُم هو زيادةً في الكفر: [إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ] ؛ إذًا الكفر يزيد كحال هذه الأنظمة الجبارة في هذا الزمانِ، لم يقتصر كفرهم فقط في تعطيل شرع الله بل زاد في تحكيم القوانين الوضعية واضطهاد أهل الحق ومظاهرة ومساعدة ومعاونة أهل الكُفر ضد أهل الإسلام، هذه كُلها كفرٌ على كفرٍ على كفرٍ على كفر، فالكفر يزيد. قال سبحانه وتعالى: [لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا]
ماهي سُنّة الله؟ [أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا] ، إذًا هذه كلها بشائر لأهل الحق أن مهما مَكَرَ الماكرون ومهما اضطهدَ أهل الباطل لأهل الحق فإن نصر الله آتٍ، وإن بشائر الله كثيرة على أن التمكين قد اقترب ولم يبقى من الزمان كما قد مضى، فنحن على مشارف على هذا التمكين والنصر فما على دعاة الحق وما على مشايخ أهل الحق إلا الصبر وإلا الثبات وإن دور أهل الحق في هذا الزمان ثلاثة أشياء.