الصفحة 58 من 72

و خلاصة الكلام: بنبغي أن يعلم أنّ الأخبار التي تثبت (بها العقائد و الأحكام و الأخلاق) هي الأخبار الصحيحة الثابتة بنقل العدول التقات التي قبلها السلف و نقلوها و لم ينكروها.

و أمّا الأحاديث الموضوعة التي وضعتها الزنادقة ليلبّسوا بها على أهل الاسلام، أو الأحديث الضعيفة إمّا لضعف روّيتها أو جهالتهم أو لعلّة أخرى فيها، فلا يجوز أن يقال بها (إلاّ على وجه التنبيه) فضلا عن اعتقاد ما فيها، بل وجودها كعدمها، وما وضعته الزنادقة فهو كقولهم الّذي أضافوه إلى أنفسهم، فمن كان من أهل المعرفة بذلك وجب عليه إتباع الصحيح، و إطراح ما سواه، و من كان عاميا ففرضه تقليد العلماء و سؤالهم لقوله تعالى:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"النحل (43) ، قاله العلاّمة إبن قدامة في رسالته ذمّ التأويل إلاّ ما كان بين معقوفتين فهو منّي.

و في السنوات الأخيرة ظهرت فئة إتّخذت سبيلا آخر في الكذب على الله و على رسوله عليه الصّلاة و السّلام و هو تحريف النّصوص الشرعية عن مدلولاتها الربّانية بحجج واهية بدعوى الإعتدال و الوسطية إرضاءا للحكومات الطّاغية، و الجهات المحاربة على رأسها أمريكا.

مثل هؤلاء كمثل علماء بني إسرائيل، روى مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: مرّ على النّبيّ عليه الصّلاة و السّلام بيهودي محمما مجلودا، فدعاهم صلّى الله عليه و سلّم، فقال:"هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟". قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم، فقال:"أنشدك بالله الّذي أنزل التّوراة على موسى أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟". قال: لا، و لولا أنّك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرّجم، و لكنّه كثُر في أشرافنا فكنّا إذا أخذنا الشّريف تركناه، و إذا أخذنا الضّعيف أقمنا عليه الحدّ، قلنا تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف و الوضيع، فجعلنا التحميم و الجلد مكان الرّجم. فقال عليه الصّلاة و السّلام:"اللّهم إنّي أوّل من أحيا أمرك إذا أماتوه"، فأمر به فرُجم، فأنزل الله عزّ و جلّ:"يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) ". يقول: إئتوا محمدا عليه الصّلاة و السّلام، فإن أمركم بالتحميم و الجلد فخذوه، و إن أفتاكم بالرّجم فأحذروا، فأنزل الله تعالى:"إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت