الصفحة 61 من 72

و حتّى نردّ هذه الكلمة أو هذا المصطلح إلى مفهومه الشرعيّ الّذي دلّت عليه النصوص، نقف مع آية من آيات الله المبيّنة للمسألة أحسن بيان.

قال الله تعالى:"وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) ".

يأمر الله تعالى المؤمنين إذ الخطاب موجّه إليهم أن يصلحوا بين الفئات المؤمنة إن وقع بينها قتال نتيجة البغي بينهم كما أمر سبحانه المؤمنين بمقاتلة الفئة الباغية المعرضة عن ردّ الأمور المتنازع عليها إلى شرع الله تعالى. و في الآيات مسائل:

/ المسألة الأولى: أنّ الإقتتال بين فئات المؤمنة حاصل سواء بين الحاكم و الرعية أو بين فئات من الرعية بعضهم ضدّ بعض. و الطائفة في قوله سبحانه:"وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا": تُطلق في اللّغة على الواحد من العدد، و على ما لا يحصره عدد.

و هذا الإقتتال الحاصل بين المؤمنين له صور عديدة، و حسب كلّ صورة من صوره يتنزل الحكم الشرعيّ عليه، حيث ثمّة قتال بين المؤمنين مأذون فيه، و قتال ممنوع منه، فما كان لإعلاء كلمة الله تعالى و ما يعود بالنفع على عموم الأمّة فهو مأذون فيه كقتال الممانعين عن أداء حكم شرعيّ كمانعي الزكاة أيّام خلافة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، و كقتال البغاة كما سيأتي، أمّا ما كان من أجل الدنيا و الجاه فهذا هو الممنوع المحرّم و هو قتال الفتنة، و في هذا ما رواه مسلم أنّ النبيّ صلّى الله عليه و سلّم قال:"لا تذهب الدنيا حتّى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل، و لا المقتول فيم قُتل. فقيل: كيف يكون ذلك؟. قال: الهرج، القاتل و المقتول في النار."

و أخرج مسلم من طريق أبي هريرة مرفوعا:"من قاتل تحت راية عميّة يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية."قال إبن جرير، ونقله الشوكاني في تفسيره مُقرّا له: لو كان الواجب في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت