بسم الله الرحمن الرحيم
تفريغ
للشيخ/ أبي أنس الشامي (رحمه الله)
-رئيس اللجنة الشرعية لجماعة التوحيد والجهاد -
مجموعة البُشْرَيات
قِسْمُ التَّفْرِيغِ وَالنَّشْرِ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله -عز وجل-، وخير الهدي هدي نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل
محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فحيا الله هذه الوجوه الكريمة ونسأل الله -تبارك وتعالى- بمنّه وفضله أن يجعلنا من مفاتيح النصر وجند التمكين، وأن
يُحيينا لدينه وأن يُميتنا في سبيله، وأن يختم لنا بالشهادة في سبيله في نصرة الإسلام وأهله.
لقد أكرمنا الله أيها الأخوة الكرام عمَّا قريب، في أيام كانت من أيام الله، وفي حوادث صنعها الله على عينه، ورعاها بنفسه، فأنبت بها شجرة للإسلام باسقة في هذه المدينة المباركة بفضل الله وحده، لا بحول منا ولا بطول.
عشنا تلك الليالي، وحيينا تلك الأيام المبارك، وكان لنا فيها بعض الخواطر، وأحب أن نتذاكرها جميعًا، لعلَّ الله يجعل فيها نفعًا لنا جميعًا -بإذنه سبحانه-.
أولًا: الفيل.
كلنا نعلم -أيها الأخوة- الكرام أن أمريكا يتناوب على حكمها حزبان كبيران، وهما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. يا ترى من يعرف ما شعار الحزب الديمقراطي؟ شعاره الحمار-أكرمكم الله-!، هذا الشعار لا تلوكُه الألسُن ولا يسخر منه الناس لأنه شعار أمريكي، ولو أنّ حزبًا من الأحزاب في عالمنا الثالث المتخلف اتخذ هذا الحيوان شعارًا لصار أضحوكة للدنيا كلها.
الحزب الجمهوري ما شعاره؟ الفيل، من الذي يحكم أمريكا الآن؟ الحزب الجمهوري أصحاب الفيل.
تعالوا لنرى ماذا حدَّثنا الله -تبارك تعالى- في كتابه الكريم عن الفيل وأصحاب الفيل:
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} .
يا ترى ما قصة أصحاب الفيل؟ باختصار واعتصار، أبرهة نصراني بنى كنيسة القُلَّيس، أراد أن يصرف وجوه العرب إليها ليَدَعوا ويذروا ميراث أبيهم إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- وكعبة الله -تبارك وتعالى-، رفضوا وأبوا واستمسكوا بتراث آبائهم وميراث أبيهم إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-. وحملت أحدهم النخوة ودفعته الغيرة فتسلَّل تسلُّل القَطَا إلى جوف الكنيسة فقعد فيها، يعني سَلَح أي تغوَّط -أكرمكم الله-.
غضب أبرهة، جاش لذلك غضبه وورم أنفه وثارت ثائرته، واتخذ هذه الحادثة ذريعة وتَكِأة لإنفاذ ما يعتمل في صدره من المكر والكيد، فجهز جيشًا لَجَبًا طويلًا عريضًا ضخمًا كثيفًا، حشاه وطعَّمه بأفيال وأطيال، جيشٌ لم ترَ العرب ولم تسمع بمثله من قبل، وأقبل يزحف بكلكله يروم هدم بيت الله الحرام.
ماذا فعل الله به؟ {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} .
فهذه أيها الإخوة الكرام سنَّة الله تعالى على مرِّ الأعصر وكرِّ الدُّهور، كلما علا الإنسان وبغى وطغى وتجبَّر وتكبَّر، كلما سقاه الله الذل كؤوسًا، ثم لا يموت كسائر الناس. النمرود يا إخوة ماذا قال؟ {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} ، ماذا فعل الله به؟ برغوثة دخلت في دماغه، فكان يُضرب بالكندرة حتى مات!
فرعون ماذا قال؟ {وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} ، فأجراها الله من فوقه.
وهذا أبرهة جاء بأفيال فأرسل الله إليه طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل. هذا باختصار حديث التاريخ عن أصحاب الفيل فيما مضى.
فما حديث الفلوجة عن أصحاب الفيل؟ أمريكا أصحاب الفيل الحزب الجمهوري أرادوا أن يحرِفوا ويصرفوا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - عن ميراث نبيها -عليه الصلاة والسلام- وعن كعبتها وقِبلتها. الأمة في جُملتها رفضت وامتنعت، قام بعض إخواننا -سلَّم الله أيديهم وتقبَّل شهداءهم- فقعدوا وسلحوا وراثوا على رمز الحضارة الغربية، فأحالوه كثيبًا مهيلًا. غضب أبرهة، ورِم أنفه، أعدَّ جيشًا لم تسمع البشرية بمثله من قبل، وجاء إلى هذه الأرض وهو يروم هدم بيت الله الحرام، ونظره لا يعدو الكعبة ولا يعدو قبلة المسلمين.
وكنا نقول للإخوة: بقي يا إخوة الفصل الأخير، طير أبابيل، بحجارة من سجيل. بدأت في الفلوجة، ولن تنتهي -إن شاء الله- دون روما، وعد نبينا -عليه الصلاة والسلام-.
لكن يا إخوة والله ثم والله من أعظم ما يمنُّ الله به على المؤمن بعد توحيده سبحانه والإيمان به أن يختاره وأن يسوقه وأن يأخذ بيده وأن يأتي به إلى هذه الأرض ليصنع به معجزة الإسلام، وليكتب به تاريخ النصر وفجر النصر والظفر -بإذن الله تبارك وتعالى-.
يا إخوة والله هذه نعمة لو سجدنا الحياة كلها شكرًا لله -تبارك وتعالى- على هذا الفضل ما قمنا بُمدِّ ذلك ولا نَصِيفه أبدًا!.
هذه نعمة لا بد أن تُشكر وألَّا تُكفر، وشكرها أن تُهراق الدماء وأن تُزهق الأرواح، وأن تُقدَّم النفوس رخيصة لله -تبارك وتعالى-، وأن لا نقيل ولا نستقيل، بل نمضي قُدمًا حتى يُقرَّ الله عيننا بإحدى الحسنيين؛ النصر أو الاستشهاد.
هذه خاطرة أيها الإخوة الكرام.
أما الثانية:
فمن عجائب صفات الله -تبارك وتعالى- صفة مُعجِبة، تبدو للناظر المتفحّص، ويُدركها المتأمل المتَّئد، هذه الصفة المعجِبة هي أن الله -تبارك وتعالى- يُخرج الشيء من نقيضه؛ قال الله -تبارك وتعالى-: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} ، قيل في تأويلها: يُخرج الدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، والشجرة الحية من البذرة الميتة، والبذرة الميتة من الشجرة الحية. وقيل أيضًا: والآية تشملهما؛ يُخرج المؤمن من الكافر ويُخرج الكافر من المؤمن. فالمؤمن حي والكافر ميت {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} ، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} ؛ قيل: أي يؤمن من آمن عن بينة، فحياته إيمانه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (مثلُ الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، كمثل الحي والميت) . فالآية كما قلت تشمل القوليين وتعمهما ولا تعارض بينهما.
في التاريخ أيها الإخوة الكرام، في قصر فرعون وبين جدرانه نشأ موسى -عليه السلام-، وعلى مائدة فرعون أكل، وفي حضنه وحِجره تربَّى، ربَّاه بيده، ادَّخره الله وساقَهُ ليربّي موسى -عليه الصلاة والسلام-، وعلى يد موسى - صلى الله عليه وسلم - هدم اللهُ الشرك الفرعوني وإمبراطورية الشر الفرعونية.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} ، ما علاقة هذا بما عشناه وما لمسناه في الفلوجة؟
تعرفون -أيها الإخوة الكرام- وليس هذا بغائب أو خفي، أن الفلوجة في الجملة مَعقِل للدَّروشة، وقاعدة للتصوف. في معقل الدروشة، في قاعدة التصوف، رفع الله لواء الدعوة الحقَّة المحض. لواء الدعوة الراشدة على منهج السلف الصالح!.
لقد شاهد الجميع أن أكثر من ثمانين بالمئة من الذين جاهدوا وجالدوا ورابطوا على الثغور، هم بحمد الله من أهل التوحيد، ممن رضوا منهج السلف وفهم صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم وأرضاهم.
هؤلاء هم الذين ذادوا عن حياض هذه المدينة المباركة، شاركهم في ذلك بعض أهل التصوُّف مثل جماعة الشيخ عبدالله الجنابي حفظه الله وجزاه الله وجماعته خير الجزاء. وكذلك بعض إخواننا عامة من الصلحاء من أهل التقى، ممن لم يسلكوا في هذه الحياة طريق دعوة معيَّن، لكن قلوبهم حيَّة تتَّقِد بالغيرة وحب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
لكن في هذه الأرض أحيا الله ورفع الله لواء دعوة سلفية راشدة مباركة، سيكون لها ما وراءها -إن شاء اله تعالى-. وبإذن الله تمتد حتى تضرب رواقها على العالم كله لا على العراق فقط، بإذن الله وحده وبفضله ومنه سبحانه.
الأمر الثالث:
هناك ثلاثة مناهج للفعل والحركة في هذه الحياة، عشناه ولمسناها في تلك الأحداث.
المنهج الأول: المنهج الصوفي، الذي غابت وذابت عند أهله فواصل وحدود التَّمايز بين عالم الغيب وعالم الشهادة.
ولذلك فإنهم لا يتصرَّفون ولا يتحركون في هذه الحياة، بالأسباب والسُّنن التي بنى الله بها حياة الناس على هذه الأرض، بل تجدهم يهومون مع عالم الأرواح، مع عالم الكرامات، ينتظرون أن يجيء أبو خُمرة، كما قال بعضهم: أبو خمرة كان يقاتل معنا!، إلى غير ذلك.
وتجد أحدهم إذا اشتعل القصف واشتد يذهب إلى المسجد يكبر:"الله أكبر، الله أكبر"، ويغفل عن الأخذ بالأسباب السُّننية التي أمر الله -تبارك وتعالى- أن نأخذ بها.
وهذا أيها الإخوة الكرام داء قديم أصاب الأمة بسبب جرثومة التَّصوف، وهنا نريد أن نذكِّر بأمر مهم: بعض الناس يظن جهلًا أن التصوُّف دروشة وطريقة في العبادة، وأن الإنسان يحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتفل بالمولد. لا أيها الإخوة الكرام؛ التصوف ليس بدعة إسلامية، لكن التصوف طريقة في التصوُّر والنظر، وآلية في الحركة على مر التاريخ، عند الرومان كان هناك تصوف، عند الإغريق كان هناك تصوف، عند الهنود كان هناك تصوف، عند اليهود، عند النصارى، عند المجوس، في كل الأمم. آلية في النظر وقنص المعلومات وتحصيل التصورات تعتمد على المنهج العِرفاني الغَنُوصيّ؛ وهو أن يحطم الإنسان أغلال الجسد حتى تُرفرف الروح، فتتصل بالعلة الأولى كما كان يقول الفلاسفة القدامى. أو تتصل باللوح المحفوظ كما يقول متصوفة الإسلام.
فهي طريقة في النظر، ثم هي طريقة في العمل، وهي التهويم -كما قلت- مع عالم الأرواح والكرامات وعالم الغيب.
ولذلك لما جاء التتر قديمًا إلى هذا الأرض، ماذا قال قائلهم؟ يا خائفين من التتر .. هل قال: احملوا أسلحتكم وقوموا جاهدوا؟ لا، بل قال: يا خائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر!!
وفي سنة 1798 م عندما أقبلت جحافل الفرنسيس إلى مصر، وكانوا قد اخترعوا البارود والمدفع والبندقية، ماذا فعل علماء الأزهر في تلك الفترة؟ هل نادوا حي على الجهاد؟ كما كانت بعض المساجد هنا أول الأحداث تنادي:"ممنوع التجوال من الساعة السابعة إلى الساعة السادسة"بدلًا من أن تنادي حي على الجهاد!
ماذا فعل علماء الأزهر؟ رجعوا إلى الأزهر وأخذوا يقرأون (صحيح البخاري) !، والعدو يزداد تغوُّلًا وتوغُّلًا في أرض الإسلام، ويدوس الأرض والعرض، ويهريق الدم، وهؤلاء يقرأون (صحيح البخاري) !
حتى جاء الخديوي -أظنه إسماعيل- وقال:"إما أنكم لستم علماء وإما هذا ليس (صحيح البخاري) !"، وهذا خطأ وهذا خطأ؛ فهؤلاء هم العلماء وإلى الله المشتكى، وهذا (صحيح البخاري) . لكن متى كان العدو يُدفع بقراءة القرآن أو بقراءة (صحيح البخاري) ؟!
نحن ينبغي أن نقرأ القرآن لنطبقه ونعمل بأوامره، بهذا يدفع الله الأعداء، نحن نقرأ (صحيح البخاري) وجهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم والبخاري لنتمثَّله واقعًا مُعاشًا ندفع به أعداء الله تعالى. في البخاري عن أنس -رضي الله عنه- أنهم سمعوا وَجْبَة خارج المدينة -صوتًا غريبًا منكرًا - فانطلقوا يستكشفونه، فماذا وجدوا؟ وجدنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - عائدًا وهو على فرسه، وحمالة السيف في عنقه -عليه الصلاة والسلام-، فقال لهم: (لن تُراعوا) . إلى أن تجهزوا وخرجوا، كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قد حمل سيفه وانطلق يستكشف، فلما وجد أنه ليس أمرًا مخيفًا واطمئن، رجع.
لم يسمع الصوت فلاذ بالمسجد يُكبر -عليه الصلاة والسلام-، إنما تقدَّم إلى المكان المَخُوف ليذود بسيفه عن حياض الإسلام وأهله -عليه الصلاة والسلام-.
التكبير لا بد منه، ولكن التكبير النافع هو الذي يُجلجل به صوت المجاهدين وهم يقذفون بحمم الموت أعداءَ الله -تبارك وتعالى-، هذا التكبير هو التكبير النافع هو الذي يقذف الله به الرعب في قلوب أعدائه، وهذا الذي عشناه.
عمودُ الدين لن يقوى ... بتسبيح وتهليلِ ...
ولن يحدو بنا أمل ... بدعوى القال القيلِ ...
فغير السيف لا يُجدي ... يمينًا فتية الجيلِ
لقد رأينا هؤلاء فما رأينا أحدهم حمل سلاحًا، إما فمنهم شمر هاربًا لا يلوي على شيء، وإما أنه جلس في المسجد يأخذ غنائم الناس ويستقبل الأُعطيات، ثم لا ندري أين تذهب، ثم يكبّر إذا هاجم الأعداء وقصفوا أهل الإسلام.
وليس بمثل هذا تُقام الأمم ولا يُذاد عن المبادئ ولا يرتفع اللواء في الخافِقَيْن أبدًا.
هذا المنهج الأول في التعاطي مع الأحداث.
المنهج الثاني:
أناس علموا أنه لا بد من الأسباب، وأن الركون والتهويم مع عالم الأرواح والكرامات والغيبيات والمعاجِز لا يصلح ولا بمثله تقام الأمم، لا بد من الأسباب. ولكنهم للأسف ضلوا عن الأسباب الشرعية التي أمر الله بها في كتابه، عن السيف الذي بُعث به محمد - صلى الله عليه وسلم -. واستوردوا لنا مناهج وأسبابًا غربية أوروبية؛ مظاهرة سلمية، اعتصام، إضراب، عرائض، استنكار، وتوقيعات ولوائح تُقدَّم للكافر المحتل بكل ذل رجاء أن يُشفق علينا ويتكرَّم بالسماح لنا أن نعيش بأمان واطمئنان وأن يحقن دمائنا!
وذاك أيضا يستغيث ويناشد أحرار العالم، وهذا يناشد كوفي عنان والأمم المتحدة ومجلس الأمن و .. إلى آخره، وكأنهم لم يقرأوا القرآن، ولم يقرأوا شهادة التاريخ القريب والبعيد.
لعلكم جميعًا سمعتم -أيها الإخوة الكرام- بما دعت إليه هيئة علماء المسلمين، دعت إلى ماذا؟ جهاد؟ لا، استشهاد؟ لا، فداء؟ لا، بذل؟ تضحية؟ لا، إلى مظاهرة سلمية!، انتبه أيها الأخ الكريم وضع تحت سلمية خطوطًا من تحت ومن فوق، إياك أن تظن أن هذه المظاهرة فيها قسوة، أو فيها تعدٍّ على حرمات الرجل السيد الأمريكي المحترم، لا لا، لا نحن أناس محترمون جدًا، لا يمكن أن نُهريق الدم الأمريكي الغالي، لا يمكن أن نُسيء أو أن نطأ ذيل السيد الأمريكي الغالي، لا لا، نحن بس نطلب منه بكل احترام أن يقتلنا لكن برفق، وبتمهُّل، من غير شدة ومن غير بطش!
وكأن هؤلاء وهم يحضون الناس إلى المظاهرات لم يسمعوا بقول الله -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} ، على ماذا؟ المظاهرات؟! {حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} ، ألم يقرأ هؤلاء هذا القرآن؟ ألم يقرأوا كلام الله؟! ولكن يا إخوة هو النفاق الذي يعتمل في القلوب، فلذلك تستذل وتستكين، لأنها لم تتنشَّق رائحة العِزَّة وطعم الثقة بهذا الدين وبرب العالمين -تبارك وتعالى-، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} هذه الحقيقة لم تخالط قلوبهم ولم تمسَّ شغاف أفئدتهم، للنفاق الذي في قلوبهم.
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} لكن المنافق ليس بمؤمن ولذلك لا يشعر بالعلوّ والاستعلاء الذي يجده المؤمن الذي يعيش في كنف الله -تبارك وتعالى- ويتوكل على الله.
يا إخوة إذا لم يكن هذا نفاقًا فما هو النفاق؟ ألم يقل النبي -عليه الصلاة والسلام- كما في (مسلم) عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: (من لم يغزُ ولم يحدِّث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق) إذا كان الذي لا يغزو الكفار ويطلبهم في عقر دارهم منافقًا أو على شعبة من نفاق، فكيف لا يكون منافقًا من لم يقرر أن يجاهد بعد وقد طرق الجهاد بابه، بل اقتحم حجرة نومه، كيف لا يكون منافقًا؟! أنا لا أقصد أنه منافق نفاقًا أكبر، قد يكون، وقد يكون منافقًا نفاقًا أصغر، لكنه لا يخلو من نفاق أبدًا، لا يمكن.
هؤلاء لو وثقوا بنصر الله لأعلنوا الجهاد، ولكن لأن موازينهم أرضية، لأن قلبه خالٍ من التوكل على الله -سبحانه وتعالى- يحسبها بالورقة والقلم؛ أنا سأدعو إلى الجهاد على المنبر، وغدا تنتهي مسألة الفلوجة ويُقضى على أهلها، وتُستباح، ثم يأتونني يشدُّونني من ياقتي أو من ذيل عمامتي ويضعونني في السجن ولن ينفعني أحد!
لم نكن نسمع منهم إلا البكاء مثل النساء: الأمريكان قصفوا وقتلوا وهتكوا الأعراض .. !، طيب وبعدها؟! نحن هذا نلمسه ونشاهده ونراه ونحسه ونعيشه. تأني تحدثني:"الأمريكان قتلونا، استباحوا أعراضنا"، أنا أعرف أنهم قتلونا، وأنا أعرف أنهم استباحوا أعراضنا، وبعدها؟؟ ينتهي المولد وكأن شيئًا لم يكن!.