الصفحة 94 من 234

بعضهم إلى أكثر من هذا ، فقال: إن المسلم إذا لم يقتل العشرة ، بل قتل هو ، كان آثما ، لأنه لم يحقق ما أمره اللّه به ، وهو أن يغلب العشرة ، لا أن يثبت لقتالهم وحسب!

وهذا الرأى الذي أجمع عليه المفسّرون قائم على أن هذه الآية منسوخة بالآية التي بعدها ، وهى قوله تعالى: « الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا .. » .

وسنعرض لقضية القول بالنسخ ، بعد هذا ..

والذي نراه ـ واللّه أعلم ـ أن هذا الشرط هو خبر في مبناه ، ومعناه ، ومفاده .. وأن هذا الخبر قد جاء تعقيبا على أمر اللّه سبحانه وتعالى النبىّ ، بتحريض المؤمنين على القتال ، وإغرائهم به ، ليهوّن على المسلمين أمر القتال ، وليخفف عنهم بعض ما يقع في نفوسهم من تكره له ، حين يرون قلّتهم وكثرة العدوّ المتربص بهم .. فإذا علموا أنّهم بإيمانهم باللّه ، وبتأييد اللّه لهم ، أن الواحد منهم يغلب عشرة من الكافرين ، طمعوا في أعدائهم ، واستقبلوا الدعوة إلى لقائهم ، على رجاء وأمل في الظفر بهم.

وثانيا: لم كان وزن المؤمنين في هذه الآية بحيث يغلب الواحد منهم عشرة من الكافرين .. ثم كان وزنهم في الآية التي بعدها ، بحيث يغلب الواحد منهم اثنين من عدوّهم ؟

يقول أكثر المفسّرين: إن ذلك كان والمسلمون قليلون ، وذلك في أول الإسلام ، فكان فرضا عليهم أن يحملوا هذا العبء الثقيل ، وأن يقف الواحد منهم لعشرة من العدو ، ويتغلب عليهم .. فلما كثر المسلمون بعد هذا ، خفف اللّه عن المسلمين الأولين ما فرضه عليهم أول الإسلام ، فبدلا من أن يلقى الواحد منهم عشرة ويغلبهم ، أصبح المطلوب منه أن يصمد لاثنين فقط ويتغلب عليهم.!!

وهذا يعنى أن الآية الثانية جاءت ناسخة للحكم الذي تضمنته الآية الأولى ..والذي نقول به ـ واللّه أعلم ـ أن الآيتين محكمتين ، لا نسخ فيهما ، ولا تناسخ بينهما .. وذلك أن الحكم الذي تضمنه الشرط في الآيتين وارد في صيغة الخبر ، والمعروف عند الذين يقولون بالنسخ ، أنه لا تناسخ بين الأخبار ولا يرد هذا قولهم: إن الخبر يراد به الأمر هنا ، فهذا القول منهم لا حجة لهم عليه ، إلا القول بأن الآيتين متناسختين ، وذلك يقضى بأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت