يكون الحكم فيهما واردا في غير خبر .. فلزم لذلك أن يخرج الخبر عن معناه إلى معنى الطلب ..
فالحجة على النسخ ، هى القول بالنسخ .. وإذن فلا حجة! ومن جهة أخرى .. فإن القول بالنسخ يقضى بأن يكون بين الآيتين ـ الناسخة والمنسوخة ـ مسافة زمنية ، بحيث يكون لتغيّر الحكم ونسخه بحكم آخر مقتض اقتضاه تغيّر الحال بامتداد الزمن .. وليس هناك دليل يدل على أن فارقا زمنيا وقع بين نزول الآيتين .. بل ظاهر الآيتين ينبىء عن أنهما نزلتا معا في وقت واحد .. وقد قيل إنهما نزلتا في غزوة بدر ، وقيل قبل بدء القتال .. وهذا قول يقول به القائلون بالتناسخ بين الآيتين ويقررونه! فالآية الأولى: « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ .. » هذه الآية هى إخبار عن حال المؤمنين في الوقت الذي خوطبوا فيه بها ، وأنهم يحملون من طاقات القوى الروحية والنفسية بما في قلوبهم من إيمان وتقوى ، بحيث يغلب الواحد منهم عشرة من الكافرين .. إذا حقّق معنى « الصبر » الذي هو قيد للشرط.هذا ما سمعه المسلمون يؤمئذ من خطاب اللّه سبحانه وتعالى لهم ، فانكشف لهم منه ما أودع اللّه فيهم ـ بسبب إيمانهم ـ من تلك القوى العظيمة التي يجدونها معهم ، وفى هذا ما يريهم فضل اللّه عليهم ، وتكريمه لهم ، وأنهم موضع لرحمة اللّه ، ومغرس كريم لآلائه ونعمائه ..
وتلك نعمة جليلة من نعم اللّه ، وبشرى مسعدة مما يبشر اللّه به عباده المؤمنين .. ومن تمام هذه النعمة ، وكمال هذه البشرى أن تتبع النعمة بنعمة ، وأن ترفد البشرى ببشرى ، وهذا ما جاءت به الآية الكريمة بعد هذا: «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » وهذا الخبر الذي تلّقّاه المسلمون من هذه الآية هو خبر على حقيقته ، لم يقصد به الأمر ، بأن يكلّف المسلم التغلب على اثنين من الكافرين بدلا من عشرة .. بل إن هذا الخبر يثير في نفس المسلم شعورين: