الصفحة 10 من 597

وعلى كل حال فالشدة إن قصد بها ردع الزائغ عن زيغه، ورد المنحرف عن انحرافه، وهدايته إلى الجادة والمنهاج؛ محمودة في مثل هذه المقام، وهي كما ذكر شيخ الإسلام من (مصالح المؤمنين التي يصلح الله بها بعضهم ببعض، فإن المؤمن للمؤمن كاليدين، تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين) [1] وهي من جنس الدواء المر الذي يصبر المريض على مرارته ويتحملها ويتجرعه لما يرتجي من فائدة .. وقد قيل (من بصرك فقد نصرك، ومن وعظك فقد أيقظك، ومن أوضح وبين - وإن شدد - فقد نصح وزين، ومن حذر وبصر، فقد أعذر وما قصر) .. والعامة عندنا يقولون: (الذي يُبكّيك ويبكي عليك، خير ممن يضحكك ويضحك عليك) .. فهذا النوع من الشدة والتخشين محمود لأن الغاية منه إصلاح المسلمين، وبيان الحق لهم وتحذيرهم من مواضع الزلل، دون ان يكون في ذلك إهدار لحقوقهم الإسلامية، أو بغي أو تعد وظلم أو أخذ بالظنة او تقويل لهم ما لم يقولوه، كما يفعل من يرقع ذلك بدعوى الإغلاظ على العصاة، أو زجرهم، ونحو ذلك من الدعاوى، التي لا يقفون بها عند حدود الله تبارك وتعالى .. أضف إلى ذلك أننا - كما سيرى القارئ - لم نذكر أسماء في شيء من أخطاء التكفير التي شددنا النكير فيها، ولا في غيرها، ولا تعرضنا لأفراد معينين أو لتجمعات محددة، إذ هذه الأوراق ليست موجهة إلى أفراد مخصوصين، بل الغاية منها النصح والنفع العام ..

(1) مجموع الفتاوى (ط. دار ابن حزم) (28/ 34)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت