أضف إلى ذلك أن عداوتنا وخصومتنا أمست اليوم كما لا يخفى على أحد، تستجلب رضى أعداء الله وتقرب منهم، فحذار من خلط الأوراق .. فكم قد رأيت من ضعاف الإيمان، من يدفع سخطهم ويستجلب رضاهم بالبراءة منا والطعن فينا .. فهذا محذور آخر يجب محاذرته، وهو استرضاء أعداء الله والتقرب والتودد إليهم بعداوة الموحدين، فإن الله تبارك وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .. وحسب من قصرت همته عن اللحاق بهذه الطائفة القائمة بنصرة هذا الدين، وجبن عن التحيز إليهم ونصرتهم ولو بالدعاء، أن يكف عن التخذيل عن سبيلهم - أو إظهار عداوتهم وليدع القافلة تسير ..
هذا وأنا اعلم أنني قد استطردت أحيانًا في إنكار بعض الأخطاء والتشديد والإغلاظ على أصحابها، وما ذلك إلا لخطورة تلك الأخطاء، وشناعة وقبح آثارها، الأمر الذي يدعو في بعض الأحيان إلى شيء من الشدة أو الحزم في إنكارها، تلك الشدة التي لا تدعونا بحال إلى تعدي حدود الله في أحد من المسلمين أو إلى البراءة المطلقة منهم .. وإن كنا لا نداهن أو نتردد في البراءة من أخطائهم وانحرفاتهم، ولا نتحرج في ذلك وإن أنكره من أنكره علينا، وكيف نتحرج منه وقد أمر الله تبارك وتعالى به قدوتنا و أسوتنا صلوات الله وسلامه عليه فقال: (( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين * فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ) )فجمع في هذا الأمر الإلهي بين رحمة المسلمين التي منها الحفاظ على حقوقهم وعدم ظلمهم أو التعدي عليهم، وبين الحزم في البراءة من أخطائهم كي لا تحسب على الدين أو تنسب إليه. ويبقى الحق والحفاظ على وجه هذه الدعوة المشرق، وجناب هذا التوحيد العظيم أهم عند تعارض المصالح، وأعز عندنا من الخلق أجمعين .. وكم أغضب وأسخط استصحابي لهذه القاعدة في حلي وترحالي كثيرًا من المقربين، حتى قلت:
وإن يكن الرحمن ليس بساخط ... فلست بسخط العالمين أبالي