فهرس الكتاب
وهذا كله من الدلائل على أن مثل هذا لا يكفر رغم تقصيره في الهجرة، وعصيانه بالمقام بين ظهراني المشركين، وليس أظهر في الدلالة على ذلك تسمية رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالمسلم وعدم رفع هذه الصفة عنه، ولا يعكر على ذلك براءة النبي صلى الله عليه وسلم منه وكون البراءة الكلية لا تكون إلا من الكافر لان المراد بالبراءة هنا براءة الذمة من عقله كاملا (8) ، كما قد فسر في الحديث نفسه، ومن ذلك أيضا قصور حقه في النصرة لتقصيره في الهجرة، فهذه قرائن صارفة للبراءة المكفرة، إلى براءة من نوع ثان فسرتها السنة وذكرها الله تعالى في قوله: (( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير ) ).
اللهم إلا أن يضم إلى إقامته في دار الكفر وتقصيره بالهجرة الواجبة إلى دار الإسلام؛ مظاهرته للمشركين ومحاربته للمسلمين، فحينئذ تكون البراءة منه براءة كلية مكفرة ..
قال ابن حزم بعد أن ذكر الحديث أعلاه: (وهو عليه السلام لا يبرأ إلا من كافر. قال تبارك وتعالى(( المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) )، ثم قال؛ (فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارا محاربا لمن يليه من المسلمين فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها من وجوب القتل عليه متى قدرعليه، ومن اباحة ماله، وانفساخ نكاحه وغير ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبرأ من مسلم، وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعان عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره فهذا لا شيء عليه لأنه مضطر مكره) . أهـ المحلى (13/ 138 - 139)