فهرس الكتاب
ففيه أنه لا أثر لغياب جماعة المسلمين أو إمامهم- وهذه مقومات دار الإسلام - ولا علاقة لذلك في إسلام المرء أو كفره، وإنما المناط الذي يتعلق ذلك به هو إظهاره لسبب من أسباب الكفر ..
فهذا كله يدل على أن المسلم إذا كان في دار الكفر ولم يهاجر منها إلى دار الإسلام لعجز أو مانع منعه أو لتمكنه من إظهار دينه فيها، أو لقيامه بالجهاد ونصرة الدين .. فهو مسلم معصوم الدم والمال ..
فمن باب أولى أن يبقى المسلم كذلك في حال عدم وجود دار إسلام يهاجر إليها أصلا ..
فإن الله تبارك وتعالى لم ينط أحكام التكفير بأمور قاهرة لا كسب للعباد فيها .. وإنما أناطها سبحانه وتعالى بأسباب ظاهرة منضبطة - كما تقدم - تنحصر بقول او فعل مكفر من كسب المكلف .. وما لم يظهر المرء شيئا من ذلك، فلا سبيل إلى تكفيره، بأمور خارجة عن إرادته ما دام عنده أصل الإسلام ..
والخلاصة ان مصطلح دار الكفر لا اثر له في الحكم على قاطني الدار، خصوصا في وقت قد أمست الأرض كلها فيه دار كفر إما أصلية، أو طارئة لغلبة الكفار وأحكامهم على جميع البلاد ..
ويتأكد ذلك إذا كانت الدار الموصوفة بهذا المصطلح دار كفر طارئ، أي أنها كانت قبل ذلك دار إسلام ولا زال جمهور أهلها ينتسبون للإسلام، وهذا أمر غفل أو تغافل عنه كثير من المتحمسين، فلم يفرقوا بين دار الكفر الأصلية التي يغلب الفقهاء حكمها في حكمهم بالتبعية في بعض المسائل، وبين دار الكفر الحادثة، أي التي كانت للمسلمين فغلب عليها الكفار، فإن الفقهاء يؤصلون فيها لمجهول الحال الذي لا سبيل إلى معرفة حاله - كالميت واللقيط والمجنون - بالإسلام والعصمة، احتياطا لحرمة المسلمين وعصمة لدمائهم ولو لم يبق فيها إلا مسلم واحد، لان الإسلام يعلو ولا يعلى، بل أصّل بعضهم بالإسلام لمثل ذلك ولو لم يظهر فيها مسلم لاحتمال أن يكون فيها مؤمن يكتم إيمانه. (9)