فهرس الكتاب
-وإنما عذرنا بالجهل هنا واشترطنا البيان وإقامة الحجة والاستفصال قبل إطلاق أحكام التكفير؛ لأن أحوال الأشخاص تختلف عن حال القانون أو الكفر نفسه، ولأجل التلبيس الحاصل بما يمارسه الطواغيت من زخارف الأقوال والأعمال التي تشكل على كثير من الناس، ولاختلاط مقاصد الناس في مدح الأشخاص والثناء عليهم .. ودخول الاحتمال بمرادهم في الدعاء، وهذا بخلاف ما لو ارتكب سببا من أسباب التكفير الصريحة الظاهرة غير المحتملة فلا ينفعه والحالة كذلك التعذر بالتلبيس ونحوه من زخارف الأقوال والأعمال.
روى البخاري في الأدب المفرد (1112) والبيهقي في السنن (9/ 203) بإسناد حسن عن عقبة بن عامر الجهني (أنه مر برجل هيئته هيئة رجل مسلم، فسلم فرد عليه عقبة: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقال له الغلام: أتدري على من رددت؟ قال: أليس برجل مسلم؟ فقالوا: لا، ولكنه نصراني، فقام عقبة فتبعه حتى أدركه، فقال: إن رحمة الله وبركاته على المؤمنين، لكن أطال الله حياتك وأكثر مالك) ..
فهذا الدعاء منه رضي الله عنه؛ ليس كالدعاء لرؤوس الكفر وأئمته وطواغيته، فإن النصراني كان ذميا، ومراده من الدعاء تكثير أموال المسلمين من جزية هذا وأمثاله، كما يتأوّله الصحابة، وكما يروى مثله عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه مرّ على رجل فسلم عليه فقيل له: إنه كافر، فقال: (رد علي ما سلمت عليك، فقال: كثر الله مالك وولدك، ثم التفت إلى أصحابة فقال: أكثر للجزية) (5)
فتأمل كيف دخل الاحتمال في الدعاء، وأنه لا يكون دائما إرادة لدوام الكفر.
وهذا بخلاف مدح كفرهم البواح نفسه، أو الثناء على شركياتهم الصريحة، وقوانينهم وتشريعاتهم الوضعية المناقضة لشرع الله تعالى، أو الدعاء لها بالعز والعلو والبقاء .. فها هنا كفر واضح لا لبس فيه .. لا يقدم عليه ويقتحمه إلا من هو على ملتهم ودينهم الطاغوتي ..