الصفحة 165 من 597

-أما إذا صرح الخطيب في دعائه للطاغوت بالنصرة والإعزاز ونحوه؛ بإرادة نصرته على الموحدين من المجاهدين الخارجين على حكمه، فهذا من باب توليه ونصرته على الموحدين ومظاهرته على المجاهدين الساعين في إبطال وهدم شركه وقوانينه لتحقيق التوحيد بتحكيم شرع الله تبارك وتعالى وحده، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن متابعة الأرباب المشرعين المتفرقين إلى عبادة الله الواحد القهار.

فقد قال تعالى: (( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) ).

وقد نص العلماء على أن مظاهرة المشركين على الموحدين كفر واستدلوا لذلك بأدلة كثيرة متضافرة من الكتاب والسنة، وقد بسطنا بعضها في غير هذا المقام .. (9)

كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع في الصارم المسلول (206 - 207) أن النصرة والجهاد والمحاربة تكون باللسان كما تكون باليد، بل قد تكون باللسان أحيانا أقوى من اليد.

فكيف إن كان يصحب ذلك تلبيس وتدليس ونصرة للطاغوت بأدلة الشرع وسهام الوحي، قال رحمه الله: (المحاربة نوعان: محاربة باليد، ومحاربة باللسان، والمحاربة باللسان في باب الدين أنكى من المحاربة باليد) أهـ الصارم المسلول (385) .

ومعلوم أن من يفعل مثل هذا إنما يفعله ويتقحمه مختارا نفاقا وتزلفا إليهم. وإلا فإن الحكومات لا تلزم الخطيب بمثل ذلك بل تكتفي منه كما هو مشاهد من حال كثير من الأئمة والخطباء بما هو دونه من أي دعوة كانت؛ فلو أن إلزامهم له اعتبر إكراها شرعيا، لكان في تمادي وتعدّي من يفعل ذلك بزيادته في الدعاء على ما أكرهوه عليه؛ إبطالا لذلك الإكراه .. فقد تقدم في شروط صحة الإكراه واعتباره أن لا يظهر من المكره ما يدل على تماديه.

فكيف وإلزامهم بالدعاء أصلا لا يصل إلى حد الإكراه الحقيقي الذي يعذر به من أظهر شيئا من هذه المهلكات - فمن ذا الذي يكره الخطيب أو الإمام على الاستمرار في تولي الخطابة أو الإمامة .. ؟؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت