فهرس الكتاب
ومما يحسن التنبيه إليه هنا في مقابل هذا؛ أنه لا تجوز المؤاخذة - فضلا عن التبديع أو التكفير - بمدح الكفار أو ثنائهم على أخلاق أو أسلوب بعض الموحدين، ما دام أولئك الموحدون مستقيمين على ملة إبراهيم، مظهرين لبراءتهم من أولئك الكفار أو المشركين، لا يضرهم ذلك المدح أو يحرفهم عن الجادة ..
فأي حرج عليهم في ذلك وبأي جريرة يؤاخذون، خصوصا إذا قيل ذلك مدحا لأسلوبهم في الدعوة والخطاب؛ في مقابل ما يظهره البعض من تشنج أو سباب مجرد، أو إطلاقات غير علمية ولا منضبطة بضوابط الشرع ..
وسواء أصدر ذلك الثناء من أولئك الكفار عن قناعة وإنصاف، أم عن مكر وكيد وإيضاع بين الصفوف، إذ هم يعرفون أن هذا سيكون على بعض ضعاف العقول فتنة أو دافعا للغل والبغي والحسد، والذي قد يثمر العداوة وشق الصفوف - وهو ما يسعى إليه أولئك الكفار ويتمنونه .. وقد عايشت أمثال ذلك، ورأيت من يعير إخوانه الموحدين بمدح الكفار لأخلاقهم، ويطعن فيهم لثنائهم على أسلوبهم في التعامل والخطاب .. فهذا من مكر أعداء الله، مكر الليل والنهار .. ولو أن أولئك الدعاة اتقوا الله في أنفسهم وفي إخوانهم، وتفقّهوا بسيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وصبروا على طريقته، وتبصروا بسبيل المجرمين وأساليبهم في الكيد للدعوة والدعاة؛ لما ضرهم ذلك الكيد شيئا ..
فقد قال تبارك وتعالى: (( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ) ).
وهب أنهم كانوا صادقين في مدحهم غير كائدين، فأي عار على الموحد في ذلك ما دامت عقيدته ظاهرة بينة، وما دام تكفيره لهم يعرفه القريب والبعيد، وبراءته منهم ومن قوانينهم صريحة معلنة ..
أليس قد قيل؛ والفضل ما شهدت به الأعداء.؟ (فتلك شكاة ظاهر عنك عارها)
ألم يكن كفار قريش يصفون النبي صلى الله عليه وسلم بالصادق الأمين؟؟