فهرس الكتاب
وكذلك الحال هنا بالنسبة للوعيد بالنار لغير أصحاب الفرقة الناجية من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه أيضا غير صريح الدلالة على التكفير، فمعلوم أن مطلق الوعيد بالنار لا يقتضي الخلود فيها، ومن جاز خروجه من النار ولو بعد حين فليس من أهل الهلاك المطلق، بل هو حتما من الناجين والفائزين ولو بعد حين .. قال تعالى: (( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) ).
وسيأتي أن الوعيد بالنار قد ورد في كثير من الذنوب غير المكفرة، وأن التوعد بالخلود فيها أبدا هو الذي يحمل غالبا على الكفر، بخلاف مطلق الوعيد بدخولها .. فعلم من ذلك انه ليس كل من توعد بدخول النار من المخالفين للفرقة الناجية ممن هم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم (أمة الإجابة) أنه يكون كافرا بذلك.
بل من الداخلين في هذا الوعيد من هم كذلك؛ أي كفار، وهم الخالدون فيها الهالكون، ويدخلون تحت عموم لفظ الأمة أي: أمة الدعوة، الذين بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم .. ومنهم من لا يخرج من دائرة الإسلام بمخالفته أو بانحرافه عن طريقة الفرقة الناجية، وهؤلاء إن دخلوا النار فليسوا من الخالدين فيها ..
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان: (ومن قال أن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفر ينقل عن الملة؛ فقد خالف الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة، فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين والسبعين فرقة، وإنما يكفر بعضهم بعضا، ببعض المقالات) أهـ مجموع الفتاوى (139/ 7)
وقد تكلم الشاطبي أيضا على هذا الحديث في الاعتصام. وبين ص (226/ 2) أن هذه الفرق المذكورة في الحديث (يحتمل أن يكونوا خارجين عن الملة بسبب ما أحدثوا، فهم فارقوا أهل الإسلام بإطلاق، وليس ذلك إلا الكفر)
- (ويحتمل أن لا يكونوا خارجين عن الإسلام جملة، وإن كانوا قد خرجوا عن جملة من شرائعه وأصوله) .. ص (228/ 2)