ففي هذه الأحاديث الصحيحة من الوعيد والتهديد، ما يجعل أولي الألباب يحتاطون لدينهم أشد الاحتياط في هذا الباب الخطير، إذ أن ظاهرها قاض بأن من كفر مسلمًا بما لم يكفره الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم فقد كفر هو بذلك وهذا وعيد شديد استشكله العلماء، ولذلك ذكروا فيه عدة تأويلات، ومما رجحه بعضهم من ذلك؛ أن من اعتاد الهجوم على مثل هذه المعصية الكبيرة، وتجرأ على تعطيلها، فإن ذلك يؤدي به إلى الكفر، أو يختم له به، لأن المعاصي بريد الكفر وكبارها أسرع إليه من صغارها، والمستهتر بالكبائر يخشى عليه أن يجره استهتاره إلى اقتحام أسباب الكفر وتعاطيها، وإلى هذا المعنى أشرنا بمسمى أوراقنا هذه حين قلنا ( ... أن الغلو في التكفير يودي إلى الكفر) .. وقد ذكر النووي في شرحه لمسلم استشكال بعض العلماء لظاهر الوعيد في هذه الأحاديث .. وذلك لأن مذهب أهل الحق، أهل السنة والجماعة، أن لا يكفر المسلم بالمعاصي، ومن ذلك قوله لأخيه (كافر) ، من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام. لذلك ذكر في تأويله خمسة أوجه:
-أحدها: أنه محمول على المستحل لذلك وهذا يكفر.
-الوجه الثاني: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره.
-الثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، نقله القاضي عياض عن الإمام مالك بن أنس.
-الرابع: معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي كما قالوا بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر.
-الوجه الخامس: معناه قد رجع عليه تكفيره، فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا، فكأنه كفر نفسه، إما لأنه كفر من هو مثله، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام، والله أعلم) أ هـ مختصرًا من شرح مسلم.