فهرس الكتاب
وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الآية وذكر أوجه الدلالة فيها على كفر من آذى الله ورسوله في الصارم المسلول ص (40) فصاعدًا، وأطال النفس فيه فراجعه فإنه مهم وفيه فوائد شتى.
أما في النوع الثاني وهو أذى المؤمنين عمومًا، فقال سبحانه وتعالى فيه: (( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينا ) ) (الأحزاب: 58) .
فتأمل كيف فرق الله تعالى بين من آذاه سبحانه وآذى رسوله وبين من آذى المؤمنين، في آيتين متتاليتين، فجعل اللعنة في الدنيا والآخرة على الأولين وأعد لهم عذابًا مهينًا، وكل ذلك من الدلالات على كفرهم كما ذكر شيخ الإسلام في الموضع المشار إليه آنفًا ... بخلاف الآخرين فلم يُكفّرهم ولا لَعَنَهم بل خَوّفهم وأثّمهم ..
ولذلك كان الطاعن بالله أو رسوله كافرًا مرتدًا وعقوبته القتل، بخلاف الطاعن بالمؤمنين فإن (مطلق البهتان والإثم ليس بموجب للقتل) (3) .
وكذلك كان عدل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وفقههم، فمِن عدلهم أنهم لم يكونوا يجعلون الدين جُنّة لهم من الناس، فلم يكونوا يُلصقون الطعن الموجّه إلى أشخاصهم ويحولونه على الدين ليشددوا في الحكم والعقوبة ..
ومن فقههم أنهم لم يكونوا يُسوّون بين الطاعن في أشخاصهم والشاتم لهم؛ وبين الطاعن في الدين أو الشاتم للرسول .. فهذا شيء عندهم، وهذا شيء.
فمن ذلك ما رواه النسائي وأحمد عن أبي برزة الأسلمي قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق، وفي رواية (أن رجلًا شتم أبا بكر، فقلت: يا خليفة رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: ويحك، ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم) (4) .
وأيضًا فقد فرق العلماء بين شتم الصحابة والقدح فيهم قدحًا دينيًا يناقض ما تواتر من تعديلهم وتزكيتهم في الكتاب والسنة وبين من شتمهم بغير ذلك.