فقال رحمه الله: (الجواب على هذا التقدير أنه سبحانه قال هنا:"لُعنوا في الدنيا والآخرة"على بناء الفعل للمفعول، ولم يُسمِّ اللاعن، وقال هناك(9) "لعنهم الله في الدنيا والآخرة"وإذا لم يسم الفاعل جاز أن يلعنهم غير الله من الملائكة والناس، وجاز أن يلعنهم الله في وقت؛ ويلعنهم بعض خلقه في وقت، وجاز أن يتولّى الله لعنة بعضهم، وهو من كان قذفُه طعنًا في الدين، ويتولّى خلقه لعنة الآخرين، وإذا كان اللاعن مخلوقًا فلعنته قد تكون بمعنى الدعاء عليهم، وقد تكون بمعنى أنهم يبعدون عن رحمة الله، ويؤيد هذا أن الرجل إذا قذف امرأته تلاعنا، وقال الزوج في الخامسة:"لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين"فهو يدعو على نفسه إن كان كاذبًا في القذف أن يلعنه الله ..."أهـ. ص (51) ."
أما في النوع الثاني: وهو قذف المحصنات عمومًا لغير هذا القصد، فقد قال تعالى فيه: (( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) ) (النور: 4 - 5) .
فهؤلاء فاسقون فسقا أصغر، وليسوا كفارًا، لأنهم قذفوا المحصنات، لشهوة أو لشبهة بغير بيّنة صحيحة كاملة، وليس في قصدهم أو مقالهم الطعن في الدين أو أذى أهله على وجه الخصوص، ولذلك جعل الله سبحانه عقوبتهم الجلد ورد الشهادة، ولم يذكر أنهم لعنوا في الدنيا والآخرة كالأولين، أضف إلى هذا أيضًا أنه سبحانه ذكر التوبة ها هنا، ولم يذكرها هناك تغليظًا وتفريقًا بين النوعين، وقد استدل بذلك شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص (338) على قتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم من غير استتابة.