كما ذكر الفرق بين النوعين فيه أيضًا بعد أن ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك: (من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي) وقول سعد بن معاذ له: (أنا أعذرك، إن كان من الأوس ضربت عنقه ... ) فقال ص (180) : (فلما لم ينكر ذلك عليه دلّ على أن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم وتنقصه يجوز ضرب عنقه(10) ، والفرق بين ابن أُبيٍّ وغيره ممن تكلم في شأن عائشة أنه كان يقصد بالكلام فيها عيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والطعن عليه، وإلحاق العار بة، ويتكلم بكلام ينتقصه به؛ فلذلك قالوا: نقتله، بخلاف حسان ومِسْطَح وحَمْنَة فإنهم لم يقصدوا ذلك، ولم يتكلموا بما يدل على ذلك، ولهذا إنما استعذر النبي صلى الله عليه وسلم من ابن أبي دون غيره؛ ولأجله خطب الناس حتى كاد الحيان يقتتلون) أهـ.
ويقول السبكي في ذلك أيضًا: (الأذى على قسمين:
أحدهما: يكون فاعله قاصدًا لأذى النبي صلى الله عليه وسلم، ولاشك أن هذا يقتضي القتل، وهذا كأذى عبد الله بن أبيّ في قصة الإفك.
والآخر: أن لا يكون فاعله قاصدًا لأذى النبي صلى الله عليه وسلم مثل كلام مِسْطَح وحَمْنَة في الإفك، فهذا لا يقتضي قتلًا.
ومن الدليل على أن الأذى لابد أن يكون مقصودًا، قول الله تعالى: (( إن ذلكم كان يؤذي النبي ) ) (الأحزاب 53) . فهذه الآية في ناس صالحين من الصحابة، لم يقتض ذلك الأذى كفرًا، وكل معصية ففعلها مؤذي، ومع ذلك فليس بكفر، فالتفصيل في الأذى الذي ذكرناه يتعين) أهـ. فتاوى السبكي (2/ 591، 592) .
ومن جنس ذلك أيضًا الفرق بين قتل المسلم وقتاله لدينه وإسلامه وتوحيده وكفره بالطواغيت؛ وبين قتله وقتاله لخصومة دنيوية، فالأول كفر مخرج من الملّة والثاني كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب، ولا يحل الخلط بين النوعين ...