وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (أما إذا قتله على دين الإسلام -مثل ما يقاتل النصراني المسلمين على دينهم- فهذا كافر شر من الكافر المعاهد، فإن هذا كافر محارب بمنزلة الكفار الذين يقاتلون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهؤلاء مخلدون في جهنم، كتخليد غيرهم من الكفار.
وأما إذا قتله قتلًا محرمًا؛ لعداوة، أو مال، أو خصومة، ونحو ذلك فهذا من الكبائر، ولا يكفر بمجرد ذلك عند أهل السنة والجماعة، وإنما يُكفّر بمثل هذا الخوارج، ولا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد عند أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة الذين يقولون بتخليد فساق الملّة، وهؤلاء يحتجون بقوله تعالى: (( ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا ) ) (النساء: 93) .
وجوابهم: على أنها محمولة على المتعمّد لقتله على إيمانه، وأكثر الناس لم يحملوها على هذا، بل قالوا: هذا وعيد مطلق قد فسره قوله تعالى: (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ) (النساء: 48) أهـ. مجموع الفتاوى (ط دار ابن حزم) (34/ 88) .
وهذا التفصيل نافع في تأويل حديث البخاري عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) . فقد تأوّلوا الكفر فيه على نحو من التأويلات التي تأولوها في حديث (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما) فذكروا فيها الاستحلال كسبب لحمل الكفر فيه على الأكبر، فليضم هذا التفصيل إلى ذلك؛ فيقال: من قاتل المسلم وحاربه لدينه وتوحيده فقد كفر وخرج من الملّة، ومن قاتله لبغي أولخصومة دنيوية فقد أتى بكبيرة عظيمة كفر بها نعمة الأخوة الإيمانية، ويخشى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر ... إلى آخر ما ذكره العلماء ها هنا.