وهكذا، فقتال الطواغيت وأنصارهم للموحدين الذين يسعون لتحقيق التوحيد، بإخراج العباد من عبادة الطواغيت إلى عبادة الله وحده، ومن شرك تشريعاتهم وإفك قوانينهم وظلمها إلى شرع الله الواحد القهار؛ لاشك أنه من النوع الكفري (11) ، وكل من يعينهم وينصرهم عليه، فيعذب الموحدين أو يسجنهم أو يتربص بهم الدوائر أو يتجسس عليهم ويكتب فيهم التقارير لأجل ذلك، فهو داخل في هذا النوع.
ولا يحل خلط مثل هذا، بما يجري من الخصومات والبغي والاقتتال الذي يحصل كثيرًا بين المسلمين ... فقد قال تعالى في هذا الأخير: (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ... ) )إلى قوله تعالى: (( إنما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم ) ) (الحجرات: 9 - 10) .
فقد غلا قوم فألحقوا هذا النوع بالقتال الكفري فكفّروا طوائف من المسلمين.
وفرّط آخرون فجعلوا قتال الطواغيت وعداوتهم للموحدين، ومحاربتهم لدعوتهم ولجهادهم، من قبيل لخصومات التي تجري بين المسلمين ... والحق ما قد فصلناه لك.
والخلاصة بعد ما تقدم كله؛ أنه يجب التفريق في أسباب التكفير بين الطعن في الدين أو بأهله لإسلامهم وقرآنهم ودينهم وشعائره، وبين الطعن في أشخاصهم لبواعث ودوافع دنيوية أو شخصية؛ بأن لا يُكَفّر وتُستباح الدماء إلا بما كان من جنس الطعن في الدين، الذي يجعل صاحبه إمامًا في الكفر.
ولذلك أمر الله تعالى بقتال مثله فقال: (( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ) ).
وحذار من الخلط بين هذا وذاك فتختل الموازين وتلتبس الأمور وتختلط أحكام الشرع بحظوظ النفس والأهواء، فكم قد رأيتُ أناسًا قد جعلوا الشرع درعًا يتقون به السهام الموجهة إلى أشخاصهم، ويلصقون به الطعون المنصبة على انحرافاتهم وأخطائهم، وذلك ليتمكنوا من إكفار خصومهم، فجنوا بذلك على الشرع، ولبّسوا بجنايتهم على الخلق، وخلطوا الأهواء بالحق ...