وأخيرًا فإن في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا عبرة لكل معتبر؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يحاذر من اختلاط العداوات الشخصية والحظوظ النفسانية بأمر الدين؛ فمع علمه صلى الله عليه وسلم بكفر المنافقين في الباطن، لم يُكفّرهم في أحكام الدنيا إلا بالكفر الظاهر الصريح (الاستهزاء) الذي حكم الله فيه بحكم واضح.
وما كفّرهم ولا أخذهم بلحن القول ولا بشهادة الآحاد والصبيان ونحوهم ممن لم يكن يكتمل بشهادتهم نصاب البينة، وذلك مخافة أن يقال أنه إنما يقتلهم لمآرب وأحقاد شخصية، فيختلط أمر الدين ويلتبس على الناس؛ ويقولون محمد يقتل أصحابه، فينفرون عنه ...
قال القاضي عياض في الشفا: (فلو قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم لنفاقهم وما يبدر منهم وعلمه بما أسروا في أنفسهم، لوجد المنفّر ما يقول ولارتاب الشارد وأرجف المعاند وارتاع من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم والدخول في الإسلام غير واحد، ولزعم الزاعم وظن العدو الظالم، أن القتل إنما كان لعداوة وطلب أخذ الترة، وقد رأيت معنى ما حررته منسوبًا إلى مالك بن أنس رحمه الله، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"... ) أهـ (2/ 227) ولشيخ الإسلام نحوه في الصارم المسلول ص (237) .
فتأمل نقاوة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ووضوحها .. وتأمل حال دعوات كثير من أهل زماننا التي تختلط فيها حظوظ النفس وأهوائها وعداواتها، بأمر الدين، الذي اتخذه أكثر الخلق جُنة يتقون به السهام والطعونات الموجهة إلى أخطائهم وانحرافاتهم ..