(1) شبهة: فإن قيل: مقالة المستهزئين بالقراء الذين أكفرهم الله تعالى في سورة براءة كانت (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء.) كذا جاء في سبب النزول؛ ومع هذا اعتبرها الله استهزاء بالله وآياته ورسله وقد كفروا بها؛ فقال تعالى: (( يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون، ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون، لاتعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) )التوبة [64 ـ 66] ..
قلنا: (( الله يحكم لا معقب لحكمه ) )وهو أحكم الحاكمين وأحكامه سبحانه على الحقيقة فهو يعلم السر وأخفي ويعلم ما في الصدور؛ ومادام قد حكم سبحانه بأنهم قد استهزأوا بالله وآياته؛ فذلك حق لا يتطرق إليه الشك عندنا، ولكن أين في كتاب الله أو سنة رسوله أنه سبحانه جعل الاستهزاء بهيئات القراء أو طبائعهم هو عين الاستهزاء بالله وآياته ورسله؟؟
فمقالتهم المنقولة في الأثر من الألفاظ المحتملة في التكفير التي يجب فيها - كما تقدم - تبيّن قصد فاعلها قبل التكفير؛ هل أراد بها الاستهزاء بهم لأجل دينهم وحملهم للقرآن؛ أم أراد حقا ذم شيء من تلك الخصال في بعضهم، أوأراد الطعن عليهم لعداوة شخصية، وهذا التبيّن مطلوب في الألفاظ المحتملة في أحكامنا التي لا تتعرض إلا للظاهر، أما في أحكام الله الذي يعلم السر وأخفى فقد أخبر سبحانه وقطع بأنهم أرادوا بذلك الاستهزاء بالله وآياته ورسله وهو أصدق القائلين.