ولذلك فرّق شيخ الإسلام بين من سمّاهم (مقتصدة المرجئة) الذين بدعتهم من قبيل بدع الفقهاء، وبين (غالية المرجئة) الذين يكفرون بالعقاب ويزعمون أن النصوص خوّفت بما لا حقيقة له، فقال (20/ 60) : (وكذلك مقتصدة المرجئة، مع أن بدعتهم من بدع الفقهاء ليس فيها كفر بلا خلاف عند أحد من الأئمة، ومن أدخلهم من أصحابنا في البدع التي حكى فيها التفكير ونصره فقد غلط في ذلك، وإنما كان لأنهم لا يرون إدخال الأعمال أو الأقوال في الإيمان، وهذا ترك واجب، وأما غالية المرجئة الذين يكْفُرون بالعقاب ويزعمون أن النصوص خوّفت بما لا حقيقة له، فهذا القول عظيم ... ) أهـ.
ونحوه تفريق الذهبي (3) بين إرجاء الفقهاء اللفظي، وبين الإرجاء الكفري الذي يقول (لا يضر مع التوحيد ترك الفرائض) .
فتأمل هذا التفريق فإنه مهم، ولذلك كنّا ولازلنا نقول؛ أن موافقة بعض أفراخ الجهمية في زماننا لأهل السنة في أبواب ألفاظ الإيمان وتعريفاته، مع مفارقتهم لهم ومخالفتهم في التوحيد وعراه الوثقى، وترقيعهم للطواغيت وتسويغهم للشرك بأسماله وأثوابه العصرية من ديمقراطية ونحوها وترقيعهم للدساتير والقوانين الوضعية وتسويغ الحكم بها بدعوى أنها لا تخالف الشرع أو أنها تحفظ حقوق الناس، لا يجوز بحال مساواته بمرجئة الفقهاء، وإنما الذين نعذرهم ونُلحقهم بمرجئة الفقهاء مَنْ أدّته أمثال الشبهات المتقدمة التي أوقعهم فيها ضعف فهمهم للنصوص، أو ظنهم قيام موانع للتكفير ونحو ذلك؛ إلى التوقف في تكفير الطواغيت وأنصارهم أو نحوهم؛ دون أن يُؤدي بهم ذلك، إلى تسويغ الكفر البواح أو تسهيله، والإفتاء بجواز الشرك الصراح أو استحسانه واستصلاحه، أو اقتحام شيء من أبوابه .. فتنبه لهذا النوع الذي ندفع عنه، وحذار من الخلط، وتقويلنا ما لا نقول.