الصفحة 525 من 597

أقول هذا مع علمي أن السلف قد شددوا الإنكار على مرجئة الفقهاء أيضًا وبدّعوهم وغلّظ بعضهم القول فيهم، لأن بدعتهم كما تقدم عن شيخ الإسلام صارت ذريعة إلى بدع أهل الكلام وإلى ظهور الفسق. فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال ...

وكذلك الأمر بالنسبة لكثير من أفراخ مرجئة العصر الذين يجادلون في تكفير الطواغيت وأنصارهم، فإنهم وإن كانوا ممن لا يُسوّغ الشرك الصراح أو يستحسن الردة .. وإنما خلافهم في أسماء الكفر والإيمان بسبب شيء من الشبهات المتقدمة، لكن ذلك قد صار ذريعة عند كثير من غلاتهم إلى تسهيل أمر الشرك وتولي الطواغيت والتهاون في كثير من المكفرات.

ولكن لما كان التكفير لا يصح بالازم والمآل ولا يثبت إلا بأسباب ظاهرة منضبطة؛ لم نُكفر إلا من باشر تسويغ الكفر أو الفتوى بإباحته أو اقتحم أسبابه.

وما لم يكن حالهم كذلك، وما دام من جنس إرجاء الفقهاء فنحن معهم على ما كان عليه سلفنا من عدم التكفير والاكتفاء بالتبديع أوالتضليل أوالتجهيل ..

فعلى أمثالهم يُحمل قول شيخ الإسلام: (وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضلة ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحد في أنه لا يكفر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع من هؤلاء وغيرهم خلافًا عنه، أو في مذهبه، حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه وعلى الشريعة) أهـ. مجموع الفتاوى (ط. دار ابن حزم) (3/ 219) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت