ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الكفر حكم شرعي متلقى عن صاحب الشريعة، والعقل قد يُعلم به صواب القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأ في العقل؛ يكون كفرًا في الشرع، كما أنه ليس كل ما كان صوابًا في العقل، تجب في الشرع معرفته) أهـ درء تعارض العقل والنقل (1/ 242) .
ويقول ابن الشاط الإشبيلي (723هـ) : (كون أمر ما كفرًا، أيّ أمر كان، ليس من الأمور العقلية بل هو من الأمور الوضعية الشرعية، فإذا قال الشارع في أمر ما هو كفر فهو كذلك، سواء كان ذلك القول إنشاء أم إخبارًا) أهـ. تهذيب الفروق (4/ 158، 159) .
ويقول ابن القيم في نونيته:
الكفر حق الله ثم رسوله بالنص يثبت لا بقول فلان
من كان رب العالمين وعبده قد كفّراه فذاك ذو كفران
ويقول محمد بن إبراهيم ابن الوزير (840هـ) : (إن التكفير سمعيّ محض لا مدخل للعقل فيه، وإن الدليل على الكفر لا يكون إلا سمعيًا قطعيًا، ولا نزاع في ذلك) أهـ. باختصار من العواصم والقواصم (4/ 178، 179) .
وقد عرفت توقف الفاروق في شأن المرتدين وقتالهم، لشبهة قولهم لا إله إلا الله، حتى ناظره الصديق وكشف تلك الشبهة وأبان له الحق، ولم يكفّره لخطئه ذاك، بينما لم يتلكأ الصديق، وما كان له أن يتلكأ في تكفير من أدته هذه الشبهة، أو غيرها من الشبهات إلى اقتحام شيء من أسباب الكفر والردة، كنصرة مسيلمة الكذاب، أو الامتناع عن بعض شرائع الإسلام ... فمن الذين قاتلهم أبو بكر الصديق في جملة المرتدين قوم ممن منعوا الزكاة محتجين بشبهة استدلوا لها بنص شرعي، حيث تعلقوا بقوله تعالى: (( خذ من أموالهم صدقة تُطهّرهم وتُزكّيهم بها وصَلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم ) )؛ وأن الصدقة إنما كانت تلزمهم لمن كان يُصلي عليهم وصلاته سكن لهم، وهو النبي صلى الله عليه وسلم وقد مات، فلا صدقة لغيره.