الصفحة 552 من 597

ولهذا كان فيهم وجهان في مذهب أحمد وغيره .. أحدهما: أنهم بغاة، والثاني: أنهم كفار كالمرتدين ..

وأكثر الفقهاء وجمهور أهل السنة لا يكفرون الخوارج لتأويلهم ... بل ادعى الخطابي الإجماع على ذلك فقال: (أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم، فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام) أهـ (25) .

وقال ابن بطال: (ذهب جمهور العلماء، إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين، لقوله -أي في الحديث-"يتمارى في الفوق"لأن التماري من الشك، وإذا وقع الشك في ذلك لم يقطع عليهم بالخروج من الإسلام، لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين، قال: وقد سئل علي عن أهل النهر، هل كفروا؟ فقال: من الكفر فروا) أهـ. عن فتح الباري.

قلت: وقول علي هذا مروي من طرق يعضد بعضها بعضا، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (15/ 332) عن طارق ابن شهاب قال كنت عند علي فسئل عن أهل النهر أهم مشركون؟ قال: من الشرك فروا. قيل: فمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون إلا قليلا، قيل: فما هم؟ قال: (قوم بغوا علينا) .

وهذا يحمل على نحو من كانوا في زمنه من المُحكّمة، ومثله ما احتج به الفقهاء لعدم تكفير أهل الأهواء، ومنهم الخوارج من توريث الصحابة والتابعين ورثة حروراء ودفنهم في مقابر المسلمين وإجراء أحكام الإسلام عليهم (26) .

خصوصًا وأنه ممن جاء بعد أولئك أقوام غلوا في معتقدهم الفاسد فأنكروا الصلوات الخمس كما ذكر ابن حزم؛ وقالوا: الواجب صلاة بالغداة وصلاة بالعشي، ومنهم من زاد نوعًا من المجوسية إلى دينهم فأجازوا نكاح بنت الابن وبنت الأخ والأخت، ومنهم من أنكر أن تكون سورة يوسف من القرآن (27) ، وزعم أن من قال (لا إله إلا الله) مؤمن عند الله ولو اعتقد الكفر بقلبه.

فالصواب التفريق والتفصيل بين أصحاب هذه المقالات وبين غيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت