الصفحة 561 من 597

* ومع هذا، فمما يجدر التنبيه إليه هنا ... أنه لا يصح أن يحكم على كل من كانت فيه خصلة أو شيء من تلك الأخلاق الذميمة؛ أنه من جملة الخوارج كلا، بل الصواب أن لا يوصف المرء بذلك حتى يتبنى أصول الخوارج التي ضلوا وخالفوا أهل السنة بها، وقواعدهم الكلية التي ابتدعوها؛ نحو تكفير الصحابة وتكفير أصحاب الذنوب من المسلمين، وقتالهم لأهل الإسلام واستحلالهم لدمائهم وأموالهم وأعراضهم مع تركهم لأهل الأوثان، ونحو ذلك مما تقدمت الإشارة إليه.

يقول الشاطبي في الاعتصام (2/ 233) وهو يتكلم على مسائل في حديث الفرق المخالفة للفرقة الناجية -وقد تقدم: (المسألة الخامسة: أن هذه الفرق إنما تصير فرقًا بخلافها للفرقة الناجية في معنىً كُلّي في الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعًا، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية ... ) .

إلى قوله: (ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة، كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضًا، وأما الجزئي فبخلاف ذلك، بل يعد وقوع ذلك من المبتدع له كالزلّة والفلتة) أهـ. وانظر أيضًا ص (287) .

فعلم من هذا أن الموافق للخوارج أو غيرهم من أهل الزيغ والضلال في شيء؛ لا ينبغي أن يُنسب إليهم إلا إذا وافقهم في أصولهم وقواعدهم الكلية المخالفة لطريقة أهل السنة والجماعة، لا من وافقهم في بعض الفروع أو الأخلاق الذميمة كالشّدة والتعنت والتسّرع في إطلاق الأحكام الشرعية. فإن هذا وإن وجد في الخوارج وكان من السمات البارزة لهم، إلا أنه ليس من قواعدهم وأصولهم الكلية الخاصة بهم والتي ابتدعوها في الدين وخالفوا بها أهل السنة.

وهذه الأخلاق ليست خاصة بهم ولا وقفًا عليهم بل قد توجد في غيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت