الصفحة 566 من 597

ولو أنهم صدقوا في زعمهم، وكان أولئك الموحدون خوارج، كما يدّعون؛ فياليتهم تحلوا بعقل وفقه علماء المغرب في ترجيحهم بين المفاسد، يوم خرجوا يقاتلون بني عبيد القداح تحت راية أبي يزيد الخارجي، ولما لامهم بعض الناس في قتالهم تحت راية الخارجي، قالوا: (نقاتل مع من عصى الله، من كفر بالله ... ) . وقال أبو إسحاق الفقيه يومها: (هم أهل قبلة، وأولئك ليسوا أهل قبلة - يعني بني عبيد - فإن ظفرنا بهم، لم ندخل تحت راية أبي يزيد لأنه خارجي) أهـ. فكيف وأصحاب هذه الدعوة المباركة، قد برؤوا من عقيدة وطريقة الخوارج المارقين كبراءة الذئب من دم يوسف عليه السلام. فهلا إذ عجز أولئك الخوالف وقعدوا عن نصرتهم، وقنعوا بالذل والإدهان والركون لأعداء الله، كفّوا ألسنتهم عن الكذب والافتراء والبهتان:

أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكمو من اللوم أوسدّوا المكان الذي سدوا

[3] الوقفة الثالثة: لابد وأنه قد ظهر لك مما تقدم، أن من أشبه الناس بالخوارج. وأولاهم بصفاتهم وأخلاقهم الذميمة -ولا أعني الاعتقاد- أولئك الأذناب من المنتسبين للعلم والدين، ممن تنطبق عليهم كثير من صفات الخوارج الخبيثة. وأبرزها وصف النبي صلى الله عليه وسلم لهم في الحديث المتفق عليه بأنهم (يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان) ؛فهؤلاء الذين تقدمت الإشارة إلى أمثالهم ممن هم سِلْمٌ للطواغت، حَرْبٌ على الموحدين وعلى دعوتهم وجهادهم؛ أو قل مرجئة مع الطواغيت خوارج على الموحدين؛ كم رأيناهم يُغرون الطواغيت بالدعاة المنابذين لقوانينهم وكفرياتهم، ويحثّونهم على استئصلاهم، ويدبّجون الفتاوى التي تزيّن ذلك وتحسنه، (40) بل تجعله من أحسن الأعمال والقربات إلى الله؛ إذ يسمونهم بغاة تارة!! وكأنهم بغوا وخرجوا على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، أو على أمثاله من أئمة العدل ... !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت